بعيدا عن القبلية ترى هل سيقبل المجتمع السوداني ككل بمحو كل ذنوب القائد /ابوعاقلة كيكل في اغتصابه لمدينة ودمدني كونه ارتمى مؤخرا في حضن قادة الجيش ؟
✍🏻 المستشار/مهيد شبارقة
لا تزال مآسي الحرب العبثية السودانية تكشف وجوها متعددة من التناقض والخذلان ليس فقط في جبهات القتال بل في سرديات الغفران الانتقائي حيث يكافأ الجاني أحيانًا لا على صدقه أو توبته بل على موالاته للجهة الأقوى..!! وبينما تتسع فجوة الانهيار الأخلاقي والسياسي في السودان تطرح قضية القائد المعروف بـكيكل نفسها بحدة في الرأي العام:
فهل يمكن طي صفحة مشاركته في فظائع وجرائم بحق المدنيين فقط لأنه انحاز مؤخرًا لقيادة الجيش السوداني؟
#اولا: كيكل بين الأمس واليوم ذاكرة لا تنمحى:
عرف السودانيون القائد كيكل من خلال تقارير ميدانية وشهادات متقاطعة تشير إلى تورطه في عمليات اغتصاب وتعذيب وابتزاز بحق المدنيين خاصة في مناطق نزاع دارفور وكردفان فكانت قواته وفق ما ورد في تقارير محلية وأممية جزءًا من منظومة بطش واسعة استخدمت النساء كسلاح حرب فهل يكفي أن يبدل /كيكل ولاءه من مليشيا الجنجويد أو الحركات المتحالفة مع الدعم السريع إلى المؤسسة العسكرية لتمحى جرائمه ويعاد تأهيله في المشهد الوطني كـقائد وطني..؟
#ثانيا: الجيش وإعادة تدوير القادة:
هل هو تكتيك أم سقوط أخلاقي جديد؟
من المعروف أن الجيش السوداني يسعى لاستمالة قادة مليشيات وقوى محلية من أجل خلق توازن ميداني في الحرب العبثية لكن ما يحدث مع بعض الشخصيات وعلى رأسهم /كيكل يتجاوز ضرورات التحالفات المؤقتة إلى ما يشبه التطبيع مع الجريمة ففي لحظة ما يبدو أن الكيكلية الجديدة – أي نمط تحصين المجرم إذا تحالف تحل مكان مبدأ المحاسبة.
وفي هذا السياق تطرح أسئلة شائكة:
١/هل تسعى المؤسسة العسكرية لإضفاء /غطاء وطني على شخصيات دموية لمجرد أنها انقلبت على حلفائها السابقين..؟
٢/أين ستقف العدالة الانتقالية في ظل هذا النمط من إعادة التدوير.؟
٣/وكيف سيتعامل ضحايا كيكل مع فكرة رؤيته مكرما أو مسؤولًا عن مناطق سقطت بيده لاحقا..؟
ثالثا: المجتمع السوداني ليس ساذجا فبين الذاكرة والمحاسبة:
السودانيون الذين ذاقوا مرارات الحرب لم تعد تنطلي عليهم سرديات /التوبة السياسية فالمجتمع الذي شهد حرق القرى والاغتصابات الجماعية وتشريد الملايين لا يمكن أن يبتلع ببساطة رواية /الانضمام للجيش بوصفها شهادة براءة تلقائية بل إن هذا التهاون يهدد بنسف آخر ما تبقى من أخلاقيات الصراع ويشرعن الإفلات من العقاب ما دامت بوصلتك قد انحازت إلى الطرف الأقوى.
ويخشى الكثير من الحقوقيين أن يكون نموذج /كيكل مقدمة لسلسلة تبريرات وتطبيعات مع مجرمين آخرين تمهد لإدخالهم في مشهد الحكم مستقبلاً تحت يافطات مثل /السلام الأهلي أو /تحالف الضرورة دون أي عملية مساءلة أو حتى اعتراف.
رابعا: صوت الضحايا لا سلام دون عدالة:
تحدثت نساء ونازحون في مناطق جبل مرة وعد الفرسان ومحيط الفاشر،د لمراسلين وناشطين حقوقيين عن تجارب مريرة مع قوات يشرف عليها /كيكل
فشهادات صادمة تؤكد أن ما حدث لم يكن مجرد تجاوزات فردية بل سياسة ممنهجة للعقاب الجماعي عبر الجسد.
فكيف يمكن للمجتمع أن يصفح عن هذا دون أن ينهار ضميرنا الجمعي.؟
وفي القانون الدولي الاغتصاب أثناء النزاعات يعد جريمة حرب ولا تسقط بالتقادم وإذا قبلنا كمجتمع التنازل عن حقوق الضحايا مقابل مكاسب سياسية وقتية فنحن بذلك نعيد إنتاج حلقة العنف والانهيار الأخلاقي.
لذا مطلوب وقفة وطنية
فالمطلوب الآن من القوى السياسية المدنية ومن داخل المؤسسة العسكرية نفسها أن تتخذ موقفا حازما: لا يمكن أن تبنى أي تسوية حقيقية في السودان إن كانت قائمة على دماء الأبرياء أو تتجاهل صرخات المغتصبات والمقهورين.
ولا بد من آلية واضحة للعدالة الانتقالية تشمل التحقيق مع أمثال /برهان وكيكل ومثولهم أمام القضاء بغض النظر عن الطرف الذي يتحالفون معه اليوم.
أما أن نقبل بمقايضة الحقوق بالولاءات فإننا بذلك نغلق باب المستقبل ونزرع بذور جولة جديدة من الانهيار المجتمعي والسياسي.
#خاتمة: لا توبة بدون اعتراف ولا صفح دون عدالة فإذا أراد كيكل” وغيره من أمراء الحرب طي صفحات ماضيهم فليبدؤوا أولاً بالاعتراف والاعتذار والمثول أمام العدالة.
أما أن تختزل كل تلك الفظائع بعبارة /انضم للجيش فهذا استهزاء بعقول السودانيين ودهس على جراح الضحايا.



