المشنقة التي كثيراً ما تعلّقت عليها دعوات الحوار الوطني للخروج من أزمات بلادنا، كانت ـ في غالب الأحوال وعلى امتداد تاريخ خلافاتنا السياسية المعاصرة ـ رفض الأطراف الجلوس إلى بعضها البعض. فكل طرف يضع شروطه وكأنه النموذج المثالي المبرأ من الإسهام في تفاقم الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية، ويريد من موقع عفته المتوهمة أن يرمي الآخرين بحجارة النقد، دون أن يلتفت إلى منزله المشيد من زجاج هفواته التي لا يراها بعين مفهومه الخاص.
ومن هنا تتجلى حقيقة التباعد والتباين في القناعات، القائمة لدى كل طرف على أسس من النرجسية السياسية والشوفينية الضيقة.
فمن حكم ثلاثة عقود ولا يرى في صحيفة زمانه سطوراً من الفشل أو نزعات الإقصاء للآخرين، لن تتسع له مساحة الجلوس مع خصومه، وهو متكلس في تلك العقلية المتعالية، مدفوعاً باعتبارات ثيوقراطية تمنحه وحده حق القول: حكمت وعدلت، وظلمني الشارع بالجحود. وهو بذلك شاطح في فهمه لنفسه قبل أن يعرف حكم الآخرين على أخطائه أو صوابه.
والأمر ذاته لا يستثني أحداً؛ فهو ينسحب على من حكم ثلاثة أعوام، أو عاماً واحداً، أو شارك بأي قدر في صناعة المشهد العام خلال تاريخنا الحديث منذ رفع راية الاستقلال، وما أعقب ذلك من تقلبات أوصلتنا إلى هذا المآل.
فلماذا لا يأتي كل فصيل إلى طاولة الحوار حاملاً صحيفة أخطائه قبل إنجازاته؟ ولماذا لا يحاكم نفسه بنفسه، ويصفي حسابه مع الوطن قبل أن يصفيه مع خصومه؟
عندها فقط ستنجلي صورة الماضي أمام الجميع، وتنفتح صفحة المستقبل على صدق النوايا. ويصبح الحكم النهائي للشعب حين تتهيأ الأجواء لذلك الاستحقاق، في مناخات بعيدة عن الاستقطاب ومحاولات تعرية بعضنا بعضاً. فلا حاجة لذلك إذا كان الاعتراف بالخطأ قد سبق الجميع إلى الميدان.
بل إن الاعتراف بالخطأ قد يكون أنجع البرامج السياسية وأصدقها، حين يُتخذ وسيلة لعرض الذات أمام الجماهير في سباق التنافس القادم، ومطية سريعة نحو تاريخ جديد نكتبه بقلم فضيلة الرجوع إلى الحق، لا بعناد المكابرة والإصرار على تبرئة الذات.
ولعل أكبر أزمة واجهت نخبنا السياسية، مدنية كانت أم عسكرية، حزبية كانت أم أيديولوجية، أنها اعتادت محاكمة الآخرين أكثر مما اعتادت محاكمة نفسها. فامتلأت ساحاتنا العامة بلوائح الاتهام، بينما خلت من دفاتر المراجعة والاعتذار. وكلما اشتد الخلاف ارتفعت أصوات التبرير وانخفضت أصوات الحكمة، حتى أصبح الاعتراف بالخطأ في نظر البعض ضعفاً سياسياً، مع أنه في حقيقة الأمر أعلى درجات القوة الأخلاقية والوطنية.
إن الأوطان لا تُبنى بالعصمة المزعومة، وإنما تُبنى بقدرة أبنائها على التعلم من أخطائهم. وما من تجربة سياسية أو فكرية أو عسكرية مرت على بلادنا إلا وكانت فيها جوانب نجاح تستحق الإشادة، وجوانب إخفاق تستوجب الوقوف عندها بجرأة ومسؤولية. أما الإصرار على رؤية نصف الصورة المضيء فقط، فإنه لا ينتج إلا مزيداً من الدوران في الحلقة ذاتها.
وإذا كنا حقاً نبحث عن وطن يسع الجميع، فعلينا أولاً أن نمتلك الشجاعة التي تجعلنا نعترف بأن الجميع، بدرجات متفاوتة، قد أسهموا فيما وصل إليه الوطن من أزمات. وحين يتحول هذا الاعتراف إلى ثقافة عامة، لا إلى مناورة سياسية عابرة، يصبح الحوار ممكناً، والتوافق أقرب، والمستقبل أكثر وضوحاً.
فالأمم التي نهضت من تحت ركام الحروب والانقسامات لم تفعل ذلك لأنها نجحت في إخفاء أخطائها، بل لأنها واجهتها بشجاعة، وقرأت تاريخها بعين النقد لا بعين التقديس، ثم مضت إلى الأمام دون أن تحمل أثقال الماضي على ظهور الأجيال القادمة.
وحين نصل إلى تلك المرحلة، لن يكون السؤال: من الذي انتصر على خصمه؟ بل: من الذي انتصر على نفسه أولاً، ووضع مصلحة الوطن فوق حسابات المكاسب والخسائر؟ وعندها فقط يمكن أن يتحول الحوار من ساحة للمكايدات إلى جسر للعبور نحو سودان أكثر عدلاً واستقراراً واتساعاً لأبنائه جميعاً.
والله من وراء القصد.



