” عندما يصبح النقد وزارة: معز عمر بخيت في مواجهة أكبر اختبار لمصداقيته”
بقلم : المستشار معاوية أبوالريش
في مشهد يبدو كأنه مأخوذ من رواية سياسية معقدة، يجد البروفيسور معز عمر بخيت نفسه في قلب إعصار من التساؤلات المحيرة والاتهامات المتضاربة. الرجل الذي كتب يوماً “باسم الله يا كيزان” مهاجماً النظام البائد بأقسى الألفاظ، يقف اليوم على مفترق طرق محفوف بالمخاطر، حيث تنتظره وزارة الصحة في حكومة يزعم منتقدوها أنها امتداد لنفس القوى التي حاربها بقلمه الحاد. هذا ليس مجرد تعيين وزاري عادي، بل هو اختبار وجودي لمفهوم المصداقية السياسية في السودان، ومحك حقيقي لقدرة المثقفين على الحفاظ على نقائهم الأخلاقي في زمن الصفقات الملتبسة.
لفهم حجم المأزق الذي يواجه البروفيسور معز، علينا أن نعود للوراء قليلاً ونتأمل الرجل الذي ظل عبر عقود يهاجم نظام الإنقاذ كاشفا سوءاته و فساده للسودانيين شعرا . معز عمر بخيت لم يكن مجرد طبيب أو أكاديمي، بل كان صوتاً مدوياً في وجه الظلم، وقلماً لا يعرف المجاملة أو المساومة. في قصيدته الشهيرة “باسم الله يا كيزان”، لم يكتف بالنقد المهذب أو التلميح الدبلوماسي، بل اختار المواجهة المباشرة والكلمة الجارحة. “حرامية ولصوص سارقين ورباطين ونشالين”، هكذا وصف قادة النظام البائد. “مرافعين خايفة مرتعدة”، هكذا رسم صورة لمن كانوا يحكمون البلاد. لم تكن هذه مجرد أبيات شعرية، بل كانت بياناً سياسياً صريحاً ومواجهة أخلاقية شجاعة تعبر عن فلسفة حياة قائمة على رفض المساومة على المبادئ مهما كان الثمن.
واليوم، وبعد سنوات من هذا الموقف الصلب، يجد الشعب السوداني نفسه أمام مفارقة لا تخلو من المرارة. الرجل الذي وصف النظام البائد بأقسى الألفاظ، والذي كتب “منو الفيكم هو ما سارق”، يُدعى اليوم للانضمام لحكومة يقول منتقدوها أنها تضم نفس الوجوه التي حاربها بقلمه. هذه المفارقة تتجاوز كونها مجرد قضية سياسية عادية، لتصبح اختباراً لمفهوم المصداقية في العمل العام السوداني، خاصة أن البروفيسور معز، بحكم تاريخه النضالي وسمعته الطيبة، يحمل على عاتقه أكثر من مجرد مسؤولية شخصية، بل يحمل آمال وتطلعات شريحة واسعة من السودانيين الذين رأوا فيه رمزاً للنزاهة والثبات على المبدأ.
لكن قبل أن نسارع إلى إصدار الأحكام، علينا أن نحاول فهم الدوافع المحتملة وراء هذا الموقف والظروف المعقدة التي أدت إليه. ربما يرى البروفيسور معز أن الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد تتطلب تضحيات استثنائية، وأن إمكانية إحداث تغيير إيجابي في القطاع الصحي تبرر التنازل عن بعض المواقف السابقة. هذا التفسير، وإن كان محتملاً، يطرح أسئلة أعمق حول طبيعة العمل السياسي في البلدان النامية وما إذا كان يمكن للمثقفين الأنقياء أن يحدثوا تغييراً حقيقياً من خلال العمل داخل أنظمة لا يؤمنون بها، أم أن هذه الأنظمة قادرة على امتصاص حتى أشد منتقديها وتحويلهم إلى جزء من آلتها.
التاريخ يقدم لنا أمثلة متضاربة في هذا السياق. نيلسون مانديلا، على سبيل المثال، انتقل من المقاومة المسلحة إلى التفاوض مع النظام الذي حاربه، وأصبح رئيساً للبلاد وأحدث تغييراً جذرياً. لكن في المقابل، هناك أمثلة لا حصر لها من السياسيين الذين بدأوا كمصلحين وانتهوا كجزء من المنظومة الفاسدة التي حاربوها. والسؤال الذي يطرح نفسه في حالة البروفيسور معز هو: أي من هذين المسارين سيختار؟ وهل لديه الأدوات والضمانات الكافية لضمان عدم انزلاقه في طريق المساومات والتنازلات التي قد تؤدي به إلى فقدان جوهر شخصيته ومبادئه؟
من ناحية أخرى، لا يمكن تجاهل الحقيقة المرة التي تواجه القطاع الصحي في السودان. البلاد تعاني من أزمة صحية حادة، والمستشفيات تفتقر إلى أبسط المتطلبات، والأطباء يهاجرون بأعداد مقلقة، والمواطنون يموتون بسبب أمراض يمكن علاجها لو توفرت الإمكانيات والإدارة السليمة. في هذا السياق، قد يكون تعيين شخص بخبرة ونزاهة البروفيسور معز خطوة ضرورية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا القطاع الحيوي. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو: هل يمكن تحقيق إصلاح حقيقي في القطاع الصحي في ظل منظومة سياسية قد تكون مقاومة للتغيير؟ وهل يمكن للبروفيسور معز أن يحافظ على استقلاليته المهنية والأخلاقية وسط ضغوط سياسية هائلة قد تجبره على اتخاذ قرارات تتعارض مع قناعاته؟
هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة عندما نتذكر أن النظام البائد استخدم نفس الحجج لتبرير تعيينات مشكوك فيها، حيث كان يدعي دائماً أن الوطن يحتاج إلى الكفاءات بغض النظر عن انتماءاتها السياسية، وأنه يسعى لاستقطاب أفضل الخبرات لخدمة الشعب. وقد رأينا كيف انتهى المطاف بالكثير من هؤلاء “الخبراء” إلى أن يصبحوا مجرد واجهات تخفي وراءها نفس الممارسات الفاسدة والسياسات الخاطئة.
لقد كانت ردود الفعل الشعبية على تعيين البروفيسور معز متنوعة ومتضاربة، لكنها تعكس في مجملها حالة من الإحباط والقلق العميقين. المؤيدون، وهم قلة، يرون في التعيين فرصة لإحداث تغيير إيجابي في القطاع الصحي، ويؤكدون على ضرورة دعم الرجل وإعطائه فرصة لإثبات قدرته على الإصلاح. أما الأغلبية الساحقة، فتنظر إلى الأمر بعين الشك والريبة، وترى فيه تنازلاً مؤسفاً عن المبادئ التي دافع عنها البروفيسور طوال سنوات. هذا الانقسام في الرأي العام يعكس مأزقاً أعمق في الثقافة السياسية السودانية، حيث أصبح الشعب، بعد عقود من الخيبات المتتالية، يشك في كل من يقترب من السلطة، حتى لو كان من أنقى الرجال وأكثرهم نزاهة.
وسط هذا الجدل المحتدم، تبرز أسئلة مهمة حول الظروف الحقيقية لهذا التعيين والملابسات التي أحاطت به. هل كان البروفيسور معز على علم مسبق بالتعيين، أم أنه وضع أمام الأمر الواقع؟ هل تم استشارته بشكل حقيقي، أم أن اسمه أُدرج في القوائم دون موافقته المسبقة؟ وإذا كان قد وافق بالفعل، فما هي الضمانات التي حصل عليها لضمان استقلاليته في العمل وعدم تدخل القوى السياسية في قراراته المهنية؟ هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة عندما نتذكر أن النظام البائد كان خبيراً في استخدام الأسماء النظيفة لتلميع صورته واكتساب الشرعية، والخوف الحقيقي هو أن يكون البروفيسور معز قد وقع في نفس الفخ، حتى لو كان ذلك بنية حسنة ورغبة صادقة في خدمة الوطن.
إذا قرر البروفيسور معز قبول هذا المنصب، فسيواجه تحديات جسيمة تتجاوز مجرد إدارة القطاع الصحي وحل مشاكله الفنية. أولها وأهمها إقناع الشعب السوداني بأن قراره كان صائباً وليس مجرد تنازل عن المبادئ مقابل منصب، وأن انضمامه للحكومة سيؤدي فعلاً إلى تحسن ملموس في الخدمات الصحية. ثانيها الحفاظ على استقلاليته المهنية والأخلاقية في بيئة سياسية قد تكون عدائية للإصلاح الحقيقي، وقد تحاول استغلال اسمه وسمعته لأغراض دعائية. كما سيتوجب عليه التعامل مع الإرث الثقيل لكلماته السابقة والتناقض الظاهري بين مواقفه القديمة وقراره الحالي. كيف يمكن للرجل الذي كتب “حرامية ولصوص سارقين” أن يجلس في نفس الطاولة مع من وصفهم بهذه الألفاظ؟ وكيف يمكنه أن يحافظ على مصداقيته وسط هذا التناقض الصارخ؟
التاريخ السياسي السوداني حافل بقصص المثقفين والأكاديميين الذين انتقلوا من المعارضة إلى السلطة، وكانت النتائج متباينة ومختلطة. البعض نجح في إحداث تغيير إيجابي محدود في مجال تخصصه، والبعض الآخر فشل فشلاً ذريعاً وتلطخت سمعته بسبب ارتباطه بأنظمة فاسدة. والأسوأ من ذلك، أن البعض أصبح جزءاً لا يتجزأ من المنظومة الفاسدة التي حاربها، وتحول من ناقد إلى مدافع عن نفس الممارسات التي كان يهاجمها. هذه الدروس التاريخية تلقي بظلالها الثقيلة على قضية البروفيسور معز، فالتاريخ لن يرحم من يتنازل عن مبادئه، بغض النظر عن المبررات التي قد يسوقها، والشعب السوداني، الذي عانى طويلاً من الخيبات المتتالية، لن يغفر لمن يخيب آماله مرة أخرى.
في خضم هذا الجدل المحتدم، تبرز نظريات مختلفة حول الدوافع الحقيقية وراء هذا التعيين والأهداف المخفية التي قد تقف وراءه. البعض يرى فيه مؤامرة محكمة لاستقطاب الرموز النظيفة وتحييد أصواتهم المعارضة، بحيث تفقد المعارضة أحد أبرز رموزها الأخلاقية. آخرون يرون فيه محاولة حقيقية من قبل القوى الحاكمة لإحداث تغيير إيجابي في القطاع الصحي، واستعداداً لتقديم تنازلات حقيقية للخبرات النزيهة. وهناك فريق ثالث يعتبر أن التعيين جاء نتيجة ضغوط شعبية ودولية لإشراك الكفاءات في العمل الحكومي، دون أن يعكس بالضرورة تغييراً جوهرياً في طبيعة النظام أو أولوياته.
الحقيقة، كما هو الحال دائماً في السياسة، تكمن على الأرجح في مكان ما بين هذه التفسيرات المختلفة. لكن الأهم من ذلك هو أن البروفيسور معز، بقبوله أو رفضه لهذا المنصب، سيرسل رسالة واضحة ومدوية حول مفهوم المصداقية والثبات على المبدأ في العمل السياسي السوداني، وسيضع معياراً جديداً لكيفية تعامل المثقفين مع إغراءات السلطة في المستقبل.
أمام البروفيسور معز اليوم خياران رئيسيان لا ثالث لهما، وكلاهما محفوف بالمخاطر والتحديات الجسيمة. الخيار الأول هو قبول المنصب والمحاولة الجادة لإحداث تغيير إيجابي من الداخل، متحملاً مخاطر فقدان مصداقيته وسط اتهامات بالتنازل عن المبادئ والانضمام لنفس القوى التي حاربها. هذا الخيار يتطلب منه قدرة استثنائية على المناورة السياسية والحفاظ على استقلاليته، فضلاً عن تحقيق إنجازات ملموسة في وقت قصير لإثبات جدية نواياه. الخيار الثاني هو رفض المنصب والحفاظ على نقائه الأخلاقي ومصداقيته التاريخية، متحملاً مخاطر اتهامه بالتعالي وعدم الواقعية والهروب من المسؤوليات الوطنية في وقت تحتاج فيه البلاد لكل الخبرات المتاحة.
كلا الخيارين يحمل في طياته إمكانيات النجاح والفشل، وكلاهما له مؤيدوه ومعارضوه. لكن الأهم من ذلك هو أن قرار البروفيسور معز، أياً كان، سيكون له تأثير كبير وطويل المدى على مستقبل العمل السياسي في السودان، وعلى مفهوم المصداقية في العمل العام، وعلى طريقة تعامل الأجيال القادمة من المثقفين والأكاديميين مع إغراءات السلطة وتحدياتها.
في النهاية، تبقى قضية البروفيسور معز عمر بخيت أكثر من مجرد قضية تعيين وزاري عادي أو جدل سياسي عابر. إنها اختبار وجودي حقيقي لمفهوم المصداقية في العمل السياسي السوداني، ومحك حقيقي لقدرة المثقفين والأكاديميين على الحفاظ على نقائهم الأخلاقي ومبادئهم الثابتة في زمن الصفقات الملتبسة والمساومات السياسية المعقدة. الأيام القادمة ستكشف عن قرار الرجل النهائي، وستجيب على الأسئلة الكثيرة والمعقدة التي يطرحها هذا الموقف الاستثنائي. لكن مهما كان هذا القرار، فإنه سيترك أثراً عميقاً ودائماً في الذاكرة السياسية السودانية، وسيكون درساً مهماً ومرجعاً أساسياً للأجيال القادمة في كيفية التعامل مع تعقيدات العمل السياسي في بلد يسعى بصعوبة للتخلص من إرث سنوات طويلة ومؤلمة من الفساد والاستبداد والتلاعب بالمفاهيم والقيم.
إن البروفيسور معز عمر بخيت، بتاريخه النضالي الطويل وسمعته الطيبة وشعره المقاوم، يقف اليوم في لحظة تاريخية فارقة ومصيرية. قراره، أياً كان، سيحدد ليس فقط مستقبله الشخصي ومكانته في التاريخ، بل سيحدد أيضاً مستقبل فكرة المصداقية السياسية في السودان ومفهوم الثبات على المبدأ في العمل العام. وفي بلد تعب شعبه من الخيبات والمساومات والوعود الكاذبة، يحتاج المواطنون بشدة إلى من يثبت لهم أن المبادئ لا تزال أقوى من المغريات، وأن الكلمة الصادقة لا تزال أغلى وأثمن من المناصب الزائفة والألقاب الفارغة. هل سيكون البروفيسور معز ذلك الرجل الذي يعيد للسودانيين ثقتهم في إمكانية وجود سياسيين نزهاء؟ أم أنه سيصبح مجرد اسم آخر في قائمة طويلة من المثقفين الذين خيبوا آمال شعبهم؟ الجواب سيأتي قريباً، وسيكون التاريخ شاهداً ومحاسباً على كل كلمة وكل قرار وكل موقف.



