الأعمدة

“أين هم الكيزان؟” – البرهان يجيب بالأفعال: تعيين درف يكشف زيف “حكومة الأمل”

#image_title

#image_title
بقلم : المستشار معاوية أبوالريش
لطالما ردد البرهان رئيس مجلس السيادة عبارته الشهيرة “أين هم الكيزان؟” في محاولة لإقناع الشعب السوداني بأن فلول النظام البائد قد اختفوا من المشهد السياسي وأن لا أحد يملي عليه شيئاً. لكن تعيين رئيس الوزراء (المعين) كامل إدريس للدكتور عبدالله محمد درف وزيراً للعدل في حكومة الأمل المزعومة يكشف الحقيقة المرة التي ظل السودانيون يشكون فيها ،حيث أن الكيزان لم يختفوا، بل هم من يقودون البرهان نفسه، وما كان يردده من إنكار لوجودهم لم يكن سوى مسرحية هزلية لخداع الشعب.
إن تعيين المدعو درف، كوزير للعدل ضمن ما يسمى بحكومة الأمل والذي لا يعرفه عنه غالبية السودانيين أنه ليس سوداني الأصل بل لاجىء إريتري كان يقيم بأحد معسكرات اللاجئين بكسلا ويحمل بطاقة لاجىء ، فهو مثله مثل وزير الداخلية السابق والقيادي البارز بحزب المؤتمر الوطني البائد إبراهيم محمود حامد والذي هو الاخر إرتيري الأصل ، هذا التعيين يكشف عمق الأزمة في منظومة الحكم التي تديرها بقايا النظام البائد ، حيث يتم تعيين غير السودانيين في مناصب سيادية حساسة بينما يحرم السودانيون أولاد البلد الأصليون من حقوقهم الدستورية ومناصبهم الطبيعية في ادارة بلادهم . و تعيين درف المعروف بولائه العميق لجماعة الإخوان المسلمين، يؤكد أن حزب المؤتمر الوطني البائد قد عاد للواجهة من جديد، وإن ما ظل المناضلون والثوار يرددونه من أن البرهان وقادة المؤسسة العسكرية ينتمون هم أيضاً لهذه الحركة الشيطانية لم يكن من فراغ. وتأتي شهادة أمين حسن عمر، القيادي البارز في حزب الشيطان، لتؤكد هذه الحقيقة حين قالها صراحة: “رأس الدولة ذاتو هو مؤتمر وطني وقد كان من قبل رئيساً للمؤتمر الوطني بولاية نيرتتي”.
والدكتور درف ليس مجرد تكنوقراط محايد كما تحاول الحكومة تصويره، بل رجل له تاريخ عريق في خدمة النظام البائد الذي ثار عليه السودانيون وأطاحوا به. فقد كان درف رئيساً للجنة العليا لترشيح الرئيس المخلوع عمر البشير بولاية كسلا، وشغل منصب وزير الصحة بذات الولاية، مما يكشف عن التزامه العميق بالنظام الذي قاد الحملات الانتخابية له وخدم في حكومته. كما كان عضواً بهيئة الدفاع عن مجرمي ولصوص حزب المؤتمر الوطني البائد، وكان المحامي الذي ترافع عن موكله بكري حسن صالح، أحد أبرز رموز الفساد في النظام السابق.
هذا التعيين يكشف عن تناقضات واضحة بين الشعارات المعلنة والسلوك السياسي الفعلي، ويفضح زيف الادعاءات بأن حكومة الأمل المزمع الإعلان عنها ستأتي بتكنوقراط محايدين. الحقيقة أن هذه الحكومة في جوهرها ستكون توزيعاً للسلطة والثروة بين قيادات الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية جوبا للسلام وحزب المؤتمر الوطني البائد، وتحديداً قيادات الصف الثالث الذين تم إعادة تدويرهم بأسماء جديدة. إنها قسمة طيزية حقيقية للسلطة بين تلك الحركات المسلحة التي ساهمت في القتال إلى جانب القوات المسلحة لفلول النظام البائد، وكتائب الإخوان المسلمين.
وهكذا يؤكد تعيين درف في منصب وزير العدل أن فلول النظام البائد وقادة الحركات المسلحة الموقعة على اتفاقية جوبا للسلام ورئيس الوزراء المعين كامل إدريس، ومن خلفهم البرهان رئيس مجلس السيادة وقادة المؤسسة العسكرية، هم من سيقودون السودان في المرحلة القادمة لمدة لا يعلم بها إلا الله سبحانه وتعالى. هذا التحالف الشيطاني بين العسكر والإخوان والحركات المسلحة يرسل رسالة واضحة للثوار والشعب السوداني: لا مكان لكم في السودان الجديد الذي نصنعه بأيدينا.
إن الخطورة الحقيقية لهذا التعيين تكمن في أن من دافع عن مجرمي النظام السابق وترافع عنهم في المحاكم سيكون الآن مسؤولاً عن تحقيق العدالة في البلاد. كيف يمكن لدرف أن يحاسب النظام الذي خدمه وترافع عن قياداته؟ وكيف يمكن أن نتوقع منه تحقيق العدالة الانتقالية وهو جزء من منظومة الفساد التي يفترض أن يحاسبها؟ هذا التناقض الصارخ يكشف عن عدم جدية الحديث عن التغيير ويؤكد أن الثورة قد تم اختطافها من قبل فلول النظام البائد.
كما أن هذا التعيين يعمق الانقسام بين الشعب والحكومة، ويزيد من إحباط الشباب الذين قادوا الثورة وضحوا بأرواحهم من أجل التغيير، فقط ليجدوا أنفسهم محكومين مرة أخرى من قبل نفس الوجوه التي ثاروا عليها. هذا الإحباط المتنامي، مضافاً إليه الشعور بالخيانة بين الأسر التي ضحت بأبنائها، قد يؤدي إلى عودة الاحتجاجات الشعبية وعدم الاستقرار السياسي.
والأخطر من ذلك كله أن هذا التعيين يكشف عن استمرار نهب الثروات وسيطرة الشبكات المرتبطة بالنظام السابق على الموارد الطبيعية، ولكن تحت مسميات جديدة وبواجهات مختلفة. فالشبكة الإخوانية التي كانت تدير الفساد في النظام السابق لا تزال تعمل وتسيطر على مفاصل الدولة، وتعيين درف ما هو إلا دليل على هذه الحقيقة المرة.
إن تعيين الدكتور عبدالله محمد درف وزيراً للعدل ليس مجرد قرار إداري، بل هو إعلان صريح عن عودة فلول النظام البائد إلى السلطة تحت مسمى “حكومة الأمل”. البرهان الذي كان يسأل “أين هم الكيزان؟” يجيب اليوم بالأفعال: هم في قلب الحكومة، يقودونها ويوجهونها ويملون عليه كل شيء، رغم ادعائه المستمر بأن لا أحد يملي عليه شيئاً.
حكومة الأمل المزعومة ما هي إلا واجهة جديدة لنفس الوجوه القديمة، والشعب السوداني الذي ثار على الظلم والفساد يجد نفسه مرة أخرى تحت حكم من ثار عليهم، محكوماً بقسمة طيزية للسلطة والثروة بين فلول النظام البائد والحركات المسلحة التي تحالفت معهم. والحقيقة واضحة لمن أراد أن يرى: الكيزان لم يختفوا، بل هم من يحكمون السودان اليوم تحت أسماء وشعارات جديدة، والسؤال الذي يطرح نفسه: إلى متى سيستمر هذا الخداع؟ ومتى سيفيق الشعب السوداني من هذا الحلم الزائف المسمى “حكومة الأمل”؟

زر الذهاب إلى الأعلى