عند مدخل ذلك المستشفى الانيق مبنى ومعنى و المحاط بالخضرة الساحرة و الغارق في الاضواء الباهرة ولباقة العاملين الظاهرة في وضاءة ازيائهم الناصعة البياض و المتسقة مع نقاء مهنتهم الملائكية و في كل تجليات البسمة و دقة النظام والمواعيد والهدوء في الكلام وهم للحقيقة خليط متجانس من السودانيين والأجانب يعملون في ذلك الجو الذي بحسس
المرء إنه خارج الخرطوم وليس ضاحية سوبا فحسب ..بل وينتابك شعور عارم بانك خارج السودان كله وانت تطالع تلك اللوحة الكبيرة المعلقة في بهو الإستقبال وبخط عريض باللغتين العربية والإنجليزية والتي تقول احرفها بوضوح لا لبس فيه ولا نفاق او تدليس ..ما معناه.
( هذا المستشفى مجاني ولا بحق لاي احد ان يطالب المرضي بدفع اي مبالغ مقابل الخدمات التي يتلقونها.. وفي حالة المطالبة يجب ابلاغ الإدارة فورا لاتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المخالف)
ما إن فرغت من قراءة ذلك الدرس في معاني الصدق عمليا.. حتى قفز إلى ذهني اقتراح الوفد الذي زار ذات المستشفى قبل سقوط الإنقاذ بسنوات قليلة وكان برئاسة رئيس الجمهورية السيد عمر البشير يرافقه والى الخرطوم وقتئذ الدكتور عبد الحليم المتعافي وقد ظنا انهما آتيا بفكرة ألمعية وهما يقترحان ان تقوم إدارة المستشفى وبشراكة الدولة هنا بانشاء جناح تجاري للمرضي المقتدرين على ان يظل المستشفى الحالي مخصصا للفقارى والمحتاجين .
فما كان من مدير المستشفى الرجل الايطالي حتى انبرى لهما بكل شجاعة و رد عليهما بحسم وصرامة بقوله .. نحن جئنا هنا لخدمة الإنسان المقتدر والفقير على حد سواء و لا نفرق بين مريض واخر فالكل عندنا بشر متساوون وإذا اردتم عمل شيء خاوج هذا السياق فلكم الحق كله ولكن بعيدا عن مشروعنا هذا .
وهكذا لقن ذلك الذي ننعته بالكافر اولياء امر المسلمين في زمن الدولة الرسالية درسا في ان الرحمة هي دين الإنسانية وليس المتاجرة في الصحة والاستثمار في العافية حتى في مستشفيات الدولة .
شاهدت و استمعت الى ذلك الكلام و اظن لم يكن الرئيس ومرافقه يظنان إنه منقول على الهواء مباشرة عبر التلفزيون الرسمي وقد احسست حياله لحظتها بكل الحسرة والألم ..و طافت بذهني عبارة الامام محمد عبده عليه الرحمة ..حينما ذهب للدراسة في اروبا فذهل من جدية الناس هناك في العمل وانضباتهم في المواعيد وصدقهم في القول ..وعدم تطفيفهم في الكيل والميزان.
فقال قولته المشهورة..
جئت من بلاد فيها مسلمين بلا اسلام ..إلى بلاد فيها اسلام بلا مسلمين .
فهل ظلت قولته فيهم و فينا حتى اليوم .
اكتب هذا المقال وانا ملتزم بانتظار دوري للمقابلة في مستشفى السلام لجراحة القلب بسوبا للمراجعة لاول مرة وللإطمئنان فقط..
و اردد..في دواخلي..
يا قلب يا من اشعل..
الجرح حريقا في .
ضلوعي واكتوى..
مثل فراش انت يا قلبي..
يعشق النور ويدنو ..
ثم يفنيه الهوى ..
ايها الخالق صبرا..
ايها النازف دهرا ..
لست وحدك..
في الجوى..
انت ما انت سوى..
قلب صب قد هوى..
لكنه لكنه..حصد النوى..
وسلامتكم من كل شر ..
والله من وراء القصد ..



