” ثلاث فتيات مفقودات.. و تقديرات كامل إدريس أن زيارة مقهى وحضور عقد نجل السفير أهم من بحث الموضوع مع المسؤولين المصريين “




كتب: معاوية أبوالريش
منذ أكثر من 48 ساعة والمواطن السوداني عمر عبدالقادر يعيش كابوساً حقيقياً في انتظار أي خبر عن بناته الثلاث اللاتي اختفين في القاهرة دون أثر. دعاء وآية وربا، ثلاث فتيات في مقتبل العمر، أزهار لم تتفتح بعد، خرجن من منزل أسرتهن في منطقة ترسا بالقرب من عز الدين عمر بشارع العمدة الجديد حوالي الساعة 6:30 مساءً ولم يعدن، تاركات وراءهن أباً ينتظر صوت ضحكاتهن عند الباب، وأماً تُعد لهن العشاء كل ليلة على أمل عودتهن.
عائلة سودانية تواجه الكابوس وحيدة: تخيلوا معي هذا المشهد المؤلم: أب سوداني غريب في بلد أجنبي، يجري في شوارع القاهرة بحثاً عن بناته الثلاث، يسأل كل عابر سبيل، يطرق كل باب، يتصل بكل رقم قد يقوده إليهن. عيناه محمرتان من السهر والقلق، قلبه يعتصر ألماً، وصوته مبحوح من كثرة النداء والاستغاثة.
هذه الأسرة السودانية التي جاءت إلى مصر بحثاً عن الأمان ولقمة العيش الشريف، تجد نفسها اليوم في مواجهة أسوأ كوابيسها. والد يبحث عن فلذات كبده في مدينة كبيرة لا يعرف خباياها، ووالدة تنتظر عند النافذة عسى أن ترى ظلال بناتها تقترب من البيت.
غياب المسؤولية الرسمية: في الوقت الذي تستدعي فيه هذه الحالة الطارئة تدخلاً عاجلاً من أعلى المستويات الرسمية، نجد أن المسؤولين السودانيين قد تعاملوا مع الأمر بلامبالاة مثيرة للدهشة والاستنكار.
رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الذي يفترض أن يكون أول المهتمين بسلامة المواطنين السودانيين أينما كانوا، لم يحرك ساكناً تجاه هذه القضية الإنسانية العاجلة.
وفي تناقض صارخ مع أولويات المسؤولية، وجد رئيس الوزراء الوقت الكافي لزيارة مقهى في القاهرة والجلوس مع مجموعة من المواطنين السودانيين في جو من الدعة والاسترخاء، بينما أب مكلوم يبحث عن بناته المفقودات دون أن يجد من يقف معه من المسؤولين.
كما حرص رئيس الوزراء على حضور حفل عقد قران نجل السفير السوداني عماد الدين عدوي، في مشهد يثير الاستغراب والاستياء. فبينما كان المسؤولون يحتفلون ويتبادلون التهاني، كانت أسرة سودانية تعيش أسوأ كوابيسها في البحث عن فلذات أكبادها الثلاث.
السفارة.. الحلقة المفقودة: أما السفارة السودانية في القاهرة، التي تمثل الخط الأول للدفاع عن المواطنين السودانيين في مصر، فقد بدت وكأنها في غيبوبة تامة عن الأحداث. السفير عماد الدين عدوي، الذي يحمل على عاتقه مسؤولية حماية ومتابعة أحوال الرعايا السودانيين، كان منشغلاً بتنظيم حفل زفاف نجله، بينما ثلاث فتيات سودانيات في عهدته مفقودات.
إن المفارقة المؤلمة هنا أن السفير الذي يفترض أن يكون أول المهتمين بسلامة كل مواطن سوداني في مصر، اختار أن يستقبل رئيس الوزراء في احتفال عائلي، بينما أسرة سودانية تحت مسؤوليته تعيش جحيم البحث عن بناتها الثلاث.
إن دور السفارة في مثل هذه الحالات واضح ومحدد: التواصل الفوري مع السلطات المحلية، تقديم الدعم اللوجستي والمعنوي للأسرة، تسخير كافة الإمكانيات الدبلوماسية للمساعدة في عمليات البحث، والإشراف المباشر على تطورات القضية.
معاناة الأب المكلوم:في هذه الأثناء، يعيش الوالد المكلوم عمر عبدالقادر أصعب لحظات حياته. رجل فقد ثلاث فتيات من فلذات كبده دفعة واحدة، ولا يعلم عنهن شيئاً منذ لحظة اختفائهن.
بينما كان رئيس وزرائه يرتشف القهوة في مقهى القاهرة ويحضر الأفراح، كان هذا الأب المسكين يجوب الشوارع بحثاً عن أي أثر لبناته. وبينما كان السفير منهمكاً في استقبال المهنئين بزفاف نجله، كان الوالد المكلوم يتساءل: أين الدولة التي يفترض أن تقف معه في محنته؟ أين المسؤولون الذين يحملون على عاتقهم مسؤولية حماية المواطنين؟
الصمت المؤلم.. عندما تصم الآذان عن صرخات الاستغاثة: كل دقيقة تمر على هذا الأب كأنها دهر. يتخيل وجوه بناته، يتذكر ضحكاتهن، يستمع لأصواتهن في كل زاوية من البيت. الهاتف في يده لا يفارقه، ينتظر رنينه علّه يحمل بشرى، لكن الصمت يلف المكان.
هذا الأب الذي ربّى بناته على حب الوطن واحترام مؤسساته، يجد نفسه اليوم مهجوراً من تلك المؤسسات نفسها. يا ترى ما الذي سيقوله لهن عندما يجدهن؟ كيف سيفسر لهن أن دولتهن كانت مشغولة عنهن بأمور أخرى؟
رسائل لم تُقرأ.. ومناشدات لم تُسمع:
انتشرت قصة الفتيات الثلاث على مواقع التواصل الاجتماعي كالنار في الهشيم. آلاف المنشورات، مئات الرسائل للمسؤولين، دعوات للمساعدة في البحث. الجالية السودانية في مصر تحركت بكل إمكانياتها، المواطنون المصريون أبدوا تعاطفاً كبيراً ومشاركة فعّالة في النشر والبحث.
لكن أين صوت المسؤولين؟ أين البيان الرسمي من رئاسة الوزراء؟ أين الإعلان عن تشكيل فريق أزمة؟ أين المتحدث باسم السفارة الذي يطمئن الأسرة ويؤكد لها أن كل الجهود مبذولة؟
الصمت الرسمي أصم الآذان، والمسؤولون غائبون كأن الأمر لا يعنيهم.
عندما تصبح المأساة عادية في عيون المسؤولين:ربما اعتاد بعض المسؤولين على أن تصبح معاناة المواطنين مجرد أرقام في الملفات، أو حالات عادية لا تستحق الاهتمام الخاص. لكن هؤلاء المسؤولين يغفلون حقيقة أساسية: خلف كل رقم إنسان، وخلف كل ملف عائلة، وخلف كل قضية قلوب تنزف وأرواح تتعذب.
الأب عمر عبدالقادر ليس مجرد رقم في سجلات السفارة، بل مواطن سوداني له كامل الحق في أن تقف دولته معه في أصعب لحظاته. بناته الثلاث ليسن مجرد أسماء في بلاغ شرطة، بل مواطنات سودانيات يحق لهن الحماية والأمان أينما كن.
إن ما يعانيه هذا الأب لا يمكن وصفه بالكلمات. تخيلوا أن تخرج بناتكم من البيت كالعادة، وألا يعدن أبداً. تخيلوا أن تنتظروا عند الباب صوت مفاتيحهن، وأن تُعدوا لهن الطعام كل يوم على أمل عودتهن. تخيلوا أن تبحثوا عنهن في كل مكان، وأن تجدوا أنفسكم وحيدين في هذا البحث.
القلق الذي يأكل قلبه كالنار، والخوف الذي يسكن روحه كالظلام، والشعور بالعجز أمام غياب من يقف معه من المسؤولين. إنه يواجه هذه المحنة وحيداً، مهجوراً من الدولة التي يفترض أن تحميه وتحمي أسرته.
كل ليلة يمر بها هذا الأب بلا نوم، كل صباح يستيقظ على أمل أن يكون كابوساً وينتهي، كل رنة هاتف يظن أنها البشرى التي ينتظرها. هذا هو الجحيم الذي يعيشه، بينما مسؤولوه يعيشون في عالم آخر بعيداً عن آلامه ومعاناته.
المطالب العاجلة: إن الحالة التي نحن بصددها تستدعي: أولاً: تدخلاً فورياً من رئيس الوزراء السوداني للتواصل مع أعلى المستويات في الحكومة المصرية لتكثيف عمليات البحث.
ثانياً: تحرك السفارة السودانية بكل إمكانياتها لمتابعة القضية والوقوف مع الأسرة.
ثالثاً:تشكيل فريق أزمة من الجانبين السوداني والمصري للتعامل مع هذه الحالة الطارئة.
رابعاً: تقديم كافة أشكال الدعم المطلوب للأسرة في هذه المحنة.
إن حماية المواطنين ليست مجرد شعارات ترفع في المناسبات، بل مسؤولية دستورية وأخلاقية لا يمكن التهاون فيها. عندما يفقد مواطن بناته الثلاث في بلد غريب، فإن أول من يجب أن يقف معه هي دولته ومؤسساتها الرسمية.
إن صمت المسؤولين السودانيين تجاه هذه القضية ليس فقط إهمالاً لواجبهم الوطني، بل هو أيضاً رسالة مؤسفة لكل المواطنين السودانيين في الخارج بأنهم وحيدون في مواجهة المخاطر والأزمات.
نأمل أن تكون هذه الكلمات بمثابة جرس إنذار للمسؤولين للتحرك الفوري والجدي في هذه القضية، فالوقت ثمين وحياة ثلاث فتيات في خطر، والأب المكلوم في انتظار من يقف معه في محنته.



