الأعمدة

وهم الدولة المدنية في ظل المجد للبنادق وعودة المحاصصات والترضيات كعنوان للمشهد الحالي..!!

بقلم :المستشار - مهيد شبارقة

حين خرج السودانيون في ثورتهم المجيدة مطالبين بحكم مدني لم يتخيلوا أن تستبدل أحلامهم بحكومة تقيم على شواطئ بورتسودان وتدار من غرف مغلقة محكومة بميزان المحاصصة وقاعدة الترضيات وسط دوي البنادق وصمت الضمير فقد تحولت الحكومة التي من المفترض أن تكون انتقالية تفضي لحكم مدني ديمقراطي كما يزعمون إلى كيان هجين يتقاسم فيها ((العسكر وكيزانهم والكيانات الإثنية والجهوية السلطة)) وكأن السودان أصبح /غنيمة توزع لا دولة تبنى.
#أولا: من بورتسودان تدار دولة لتتفكك:
بورتسودان تلك المدينة الساحلية الآمنة نسبيا أصبحت العاصمة البديلة الفعلية لحكومة البرهان بعد اشتداد المعارك في الخرطوم لكن انتقال الحكومة إلى المدينة لم يكن انتقالا جغرافيا فحسب بل شكل نقطة تحول في بنية الحكم نفسه فمع فقدان السيطرة على العاصمة وازدياد عزلتها الدولية لجأت الحكومة إلى سياسة ((التكيّف مع الأمر الواقع بإحياء أنماط قديمة في إدارة الحكم)) عبر الترضيات السياسية والتوزيع الانتهازي للمناصب..!!!
#ثانيا: حكومة محاصصات مقنعة لا كفاءات وطنية:
من المفترض أن تكون حكومة الطوارئ أو التكنوقراط المزعومة هي حكومة كفاءات تعالج آثار الحرب وتبني الثقة في الداخل والخارج إلا أن التشكيلة الوزارية التي أُعلنت من بورتسودان لم تظهر أي إشارات إصلاحية بل على العكس أعادت إلى الواجهة عناصر من النظام السابق علنا وأخرى من الحركات المسلحة ضمن محاصصات تقوم على مبدأ ((من معنا ينل نصيبه)) بصرف النظر عن الكفاءة أو السجل الأخلاقي ما يُلاحظ أن أسماء الوزراء لم تختر وفق مؤهلاتهم بل وفق ولاءاتهم أو مناطقهم أو انتماءاتهم وكأن الحكومة تعيد إنتاج عقلية (الكيكة)
حيث يتم تقاسم السودان مثل /غنيمةلا كدولة ذات مؤسسات.
#ثالثا: الحركات المسلحة واستكمال دورة السلطة والتمكين:
من الواضح خلال السنوات القليلة الماضية أن كثيرا من الحركات المسلحة التي وقعت على اتفاقية جوبا لم تكن معنية بتحقيق السلام العادل أو الانتقال الديمقراطي،بقدر ما كانت تسعى للحصول على نصيب من كعكة السلطة وقد أُعيد دمج كثير من قادتها ضمن التشكيلة الحكومية الحالية في مواقع تنفيذية وأمنية مؤثرة وبينما يقتل آلاف المدنيين في دارفور وكردفان والنيل الأزرق تواصل قيادات تلك الحركات ممارسة السلطة من مكاتبها ببورتسودان بل وتفرض شروطها في تعيين الوزراء والوكلاء مما يجعلنا أمام واقع مفزع هو ((بندقية تفرض إرادتها السياسية لا صوت الانتخاب الشعبي)).
#رابعا: استمرار هيمنة العسكر وتفريغ المدنية من مضمونها:
لم تكن البنادق يوما أداة لبناء دولة بل دائما ما أنتجت دولًا مشوهة قائمة على الولاء والخوف وفي حكومة بورتسودان لم تتراجع هيمنة العسكر قيد انملة بل ترسخت إذ أصبحت الكلمة الأخيرة /للبرهان ومن حوله من /جنراالات الجيش و/جهاز الأمن /والدعم السريع المتحالف معهم في الخفاء.
ويظهر ذلك جليا في تعيين ولاة جدد بمعايير غير شفافة وإحلال عناصر /أمنية في المؤسسات المدنية ورفض أي نقاش حول/ الانتخابات أو /العودة إلى العملية السياسية ما يعكس تآكل حتى /الهياكل الشكلية للدولة المدنية….
#خامسا: ماذا بقي من الدولة…؟
الدولة السودانية في ظل حكومة بورتسودان تعيش حالة من التآكل الممنهج فالمؤسسات معطلة القضاء منهار التعليم متوقف في أغلب المناطق الاقتصاد في غرفة الإنعاش الصحة طائر العنقاء والمواطن بين نازح وجائع ومعتقل ..!!في هذا السياق يبدو الحديث عن حكومة أمر واقع ((كمن يزين وجه الموت بمساحيق السياسة))…!!!
وحتى مؤسسات الإعلام الرسمي التي يفترض أن تنقل صوت الدولة للناس تحولت إلى أبواق لتبرير المحاصصات والتغطية على الفشل الإداري والفساد المستشري في إدارات الدولة المعينة حديثا…!!
#سادسا: معركة الشرعية والمستقبل الغامض:
لاتجد حكومة بورتسودان قبولا داخليا شعبيا ولا اعترافا خارجيا فعليا. فهي حكومة الأمر الواقع تدير الشأن العام دون تفويض ودون رؤية واضحة فالشرعية السياسية تنتزع من الناس ومن المؤسسات المنتخبة لا من فوهة البندقية أو مرسوم عسكري…!!
وفي ظل غياب مشروع وطني جامع سيظل مستقبل السودان غامضا مفتوحا على مزيد من التشرذم والانهيار ما لم /تستبدل البندقية بصندوق اقتراع حر /والمحاصصة بمشروع لبناء الدولة على أساس المواطنة والعدالة.
#خاتمة:
لا كرامة لشعب يحكم بالبندقية:
إن السودان لن يستقيم حاله ما دامت البندقية تعلو على العقل وما دامت المحاصصة تقدم على الكفاءة وما دام التراضي هو مفتاح نيل المناصب حكومة بورتسودان ليست سوى /وجه آخر لأزمة الحكم في السودان أزمة تدار لا تحل وتفاقم لا تعالج..!!
فإما أن نعيد بناء السودان على أسس جديدة وإما أن نواصل السير في طريق التآكل والانهيار.. مجدا للبندقية..؟
لا بل مجدا لشعب قرر أن يعيش حرا لا عبدا لتوازنات سلطة بوت العسكر والمصالح.

زر الذهاب إلى الأعلى