متابعه: المغيره بكري
لم تكن بسملة فتاةً عابرة في سطور الحياة، ولم يكن مرورها من الثانوية إلى الجامعة محض انتقال روتيني. بل كانت البداية لإرادة استثنائية، ووعي قرر أن يسبق العمر.
منذ اللحظة الأولى، لم تكتفِ بسملة بأن تعيش يومها كغيرها. بل اختارت أن يكون لوجودها معنى، وأن يصير وقتها أداة للتغيير لا مجرد وقت يمضي. بدأت رحلتها من قلب الشارع المصري، بالتطوع في مبادرة “حياة كريمة”، لتكتشف سريعًا أن التغيير لا يبدأ فقط من القرارات السياسية أو خطط التنمية، بل من الفرد الذي يختار أن يكون فاعلًا لا متفرجًا.
مع دخولها كلية التجارة، لم تجد في المحاضرات فقط ضالتها، بل وجدت نفسها تنجذب إلى كل مبادرة تضع المرأة والفتاة في قلب حديثها. ومن خلال مشاركتها في فعاليات وزارة الشباب والرياضة، التحقت بمبادرة “انهضي”، التي كانت بمثابة الشرارة الأولى في طريق التوعية الاجتماعية.
في “انهضي”، بدأت بسملة تدرك أن التغيير يبدأ بالكلمة، لكنه لا يكتمل إلا بالفعل. فقررت أن تتصدى لموضوعات غالبًا ما يتم تجاهلها: ختان الإناث، تزويج الطفلات، العنف الأسري… موضوعات تُلامس الخوف والصمت، لكنها اختارت أن تكون هي الصوت، لا الصدى.
بثبات وقناعة، تحوّلت بسملة من مشاركة إلى مدربة توعية، تعمل في مؤسسات مثل LEAD وEgy Camp ومشروع خطوة. جالت بين الأندية السكانية، واجهت تحديات العمر والفكر، وحاورت الصغيرات كما الناضجات، حاملةً في يدها رسالة، وفي قلبها إيمان.
حين قيل لها: “اللي بتعمليه ملوش علاقة بدراستك”، كانت تبتسم وتقول: “أنا مش بدوّر على ربط بين التخصص والهواية… أنا بدوّر على ربط بين القيم والتأثير”. لأن التعليم الحقيقي ليس فقط ما نتلقاه من المناهج، بل ما نغرسه في المجتمع من وعي وكرامة وأمل.
في جامعتها، لم تكن بسملة تسعى للظهور، لكنها ظهرت بقوة صوتها وقضيتها. صارت جلساتها حول الختان والزواج المبكر والعنف ضد النساء ملتقىً حقيقيًا للبحث عن الفهم والدعم.
ولم تكتفِ بالكلام، بل أنجزت. أسّست مبادرة لمناهضة زواج القاصرات، وأعدّت كتيبًا علميًا بلغة بسيطة وزّعته في كرداسة، مستهدفةً المجتمعات التي تحتاج للوعي أكثر من غيرها.
اليوم، بسملة لم تعد مجرد متطوعة أو طالبة. أصبحت قائدة شبابية، مدربة، منسقة، ونائبة بلجنة علاقات عامة. تُدهش الناس حين يعرفون عمرها، وتُفاجئهم أكثر حين يعرفون أن كل هذا الإنجاز لا يمت بصلة لتخصصها الجامعي.
لكنها تُجيب دائمًا بثقة:
“أنا اخترت أكون الصوت اللي بيعبر عن البنات اللي لسه مش قادرة تتكلم.
مش بس علشان أغير حياتي… لكن علشان أغير واقع كامل.”
في زمن تتشابه فيه الأصوات، كانت بسملة مختلفة.
لم تكن صدى… كانت الصوت نفسه.



