تقارير

” 22 حافلة وهمية و440 ألف جنيه مصرى مسروقة: عندما تحول حلم العودة للوطن إلى كابوس في الإسكندرية! كيف استغل محتال سوداني آمال 1100 مواطن في العودة للوطن ؟”

تحقيق إستقصائي: أعده معاوية أبوالريش

 

في مشهد يعكس أبشع صور استغلال المعاناة الإنسانية، تعرض آلاف السودانيين المقيمين في مصر لأكبر عملية نصب واحتيال في تاريخ الجالية السودانية بالإسكندرية. 440 ألف جنيه مصري – هذا هو المبلغ الذي استولى عليه محتال واحد من 1100 مواطن سوداني كانوا يحلمون بالعودة إلى وطنهم بعد سنوات من الشتات والمعاناة.
” الجريمة: خطة محكمة لاستغلال آمال العودة”
المدعو علي صابر سيد نصر من الولاية الشمالية المحس ارتموقة – والذي يزعم أنه مهندس رغم كونه غير متعلم ولا يملك شهادات – نفذ خطة إجرامية محكمة استمرت أسبوعاً واحداً فقط. استأجر مكتباً مفروشاً بمنطقة العجمي بالإسكندرية، وأطلق مبادرة مزعومة للعودة الطوعية للسودان.
روّج المحتال لوجود 22 حافلة متجهة للسودان، بطاقة استيعابية 50 راكباً لكل حافلة ، وطلب من كل راكب 400 جنيه مصري مقابل ما وصفه بـ”التموين والمياه الصحية” لرحلة مجانية مزعومة. كما طلب من المسافرين عدم إحضار وجبات معهم، في محاولة لإضفاء مصداقية على كذبته.
” الضحايا: أسر بأكملها تركت في العراء”

فيديو – مشاركته في حملة من قبل

 

d2813bd0-3372-409b-b030-b6f2628e0b86

استجاب المواطنون السودانيون للدعوة بحسن نية، حيث سلّموا شققهم لأصحابها وباعوا ممتلكاتهم، بعضهم اقترض المبلغ المطلوب. تجمعوا بأمتعتهم وأطفالهم ونسائهم وكبار السن، قلوبهم تخفق شوقاً للعودة إلى أرض الوطن بعد سنوات من الغربة.
لكن الحلم تحول إلى كابوس عندما اختفى المحتال فجأة وأغلق هاتفه، تاركاً 1100 شخص – بما في ذلك الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن – في العراء لأكثر من ثلاثة أيام دون مأوى أو طعام أو ماء.
” سجل إجرامي طويل: ثلاث سنوات من النصب”
تحقيقاتنا كشفت أن المتهم ليس مبتدئاً في عالم النصب، بل له سجل إجرامي يمتد لحوالي ثلاث سنوات. احتال خلالها على مئات السودانيين في شرق النيل وبورتسودان والقاهرة والإسكندرية، وله عشرات البلاغات في جرائم المعلوماتية بمبالغ كبيرة بالسودان .
والأكثر دهشة أن المحتال إبان حكومة حزب المؤتمر الوطني البائد ادعى أنه يملك منظمة ويقود مبادرة شعبية لتوفير مياه الشرب في بورتسودان. حتى أنه ظهر في تلفزيون السودان يتحدث عن هذه المبادرة الوهمية.فبديو

5d2da614-c3e4-46f6-820d-279377384bb2

” الأزمة الإنسانية: معاناة لا توصف”
خلال الأيام الثلاثة التي تُركت فيها الأسر في العراء، عانى الأطفال والنساء الحوامل وكبار السن من ظروف قاسية. لا مأوى، لا طعام، لا مياه نظيفة، ولا أمل في حل سريع. الصدمة النفسية التي تعرضوا لها لا تقل خطورة عن المعاناة الجسدية.
أم سودانية تحمل طفلها الرضيع قالت لمصدر لنا بالإسكندرية : “بعنا كل شيء عشان نرجع البلد، والولد محتاج لبن والجو برد، وما عندي حتى فلوس أشتري له حاجة”.
” تساؤلات مُلحة تتطلب إجابات:
لماذا لم يتم القبض على المحتال حتى الآن؟ رغم وجود عشرات البلاغات ضد المتهم بالسودان منذ فترة حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير ؟ وسجله الإجرامي الطويل، حيث لا يزال طليقاً حرا . هذا يطرح تساؤلات جدية حول فعالية الأجهزة الأمنية في التعامل مع هذه النوعية من الجرائم، خاصة أن المحتال معروف الهوية والعنوان.
الأمر الأكثر إثارة للريبة هو استمرار فرار المحتال رغم معرفة هويته الكاملة وعنوانه. كيف يستطيع شخص لديه عشرات البلاغات وسجل إجرامي لثلاث سنوات أن يبقى طليقاً؟ وكيف تمكن من استئجار مكتب بالإسكندرية وتنفيذ عملية بهذا الحجم دون رقابة أمنية؟
هناك من يشكك في أن هذا الفرار المستمر ليس مجرد فشل أمني، بل قد يكون حماية مقصودة من جهات معينة. خاصة وأن علي صابر هو شقيق محامٍ ينتسب لحزب المؤتمر الوطني المحلول، مما يطرح تساؤلات حول الروابط السياسية التي قد تحميه من المساءلة.
” ما سر ظهور قائد كتيبة البراء؟”
الظهور المفاجئ لقائد كتيبة البراء بن مالك المصباح طلحة على مسرح الأحداث يثير تساؤلات حول الدوافع والصلاحيات. هل هذا تدخل إنساني أم هناك أبعاد سياسية؟فيديو

419a39f7-7e50-4446-9669-c1010c7ae343
“التوقيت المريب والأسئلة المُحيرة”
ما يثير الشكوك أكثر هو التوقيت الدقيق لظهور قائد كتيبة البراء، وكأن الأمر كان مُخططاً له مسبقاً. فبينما غابت السفارة السودانية تماماً عن المشهد، ظهر قائد كتيبة البراء الجناح العسكري لحزب المؤتمر الوطني المحلول بسرعة مدهشة ليقود عمليات الإنقاذ ، وحل المشكلة .
هذا التنسيق المُحكم يطرح أسئلة مُلحة: هل كان هناك علم مسبق بما سيحدث؟ وهل الهدف كان إظهار فلول النظام السابق كمنقذين للشعب السوداني؟
” أين دور السفارة السودانية؟”
الصمت المطبق للسفارة السودانية في القاهرة وعدم تدخلها الفوري يعتبر تقصيراً واضحاً في أداء الواجب الدبلوماسي. ثلاثة أيام كاملة من المعاناة دون أي تدخل رسمي لحماية الرعايا السودانيين.
سفير سوداني سابق (طلب عدم الكشف عن هويته) يقول: “هذا تقصير لا يُغتفر، السفارة مسؤولة عن حماية رعاياها وكان يجب التدخل فوراً لتوفير المأوى والطعام على الأقل”.
” فرضية مُقلقة: هل الحادثة مُدبرة؟”
هناك شكوك متزايدة حول إمكانية أن تكون هذه الحادثة مُدبرة ومُتفق عليها مسبقاً، وأن الهدف الحقيقي هو تجميل صورة فلول النظام البائد وإظهارهم كمنقذين للشعب السوداني في محنته.
أدلة تدعم فرضية التدبير:
أولاً: الحماية المُريبة للمحتال:
استمرار فرار علي صابر رغم معرفة هويته وعنوانه ووجود عشرات البلاغات ضده لثلاث سنوات يطرح تساؤلات جدية. كيف يستطيع محتال بهذا السجل الإجرامي أن يتحرك بحرية ويستأجر مكاتب وينفذ عمليات نصب ضخمة دون أن تتمكن السلطات سواء في السودان أو مصر من القبض عليه؟
ثانياً: الصلات السياسية المشبوهة:
كون المحتال شقيق محامٍ ينتسب لحزب المؤتمر الوطني المحلول يفتح المجال للتساؤل حول وجود شبكة حماية سياسية تمنع وصول العدالة إليه. هذه الصلات قد تفسر قدرته على الإفلات من العقاب لفترة طويلة.
ثالثاً: التوقيت المثالي لظهور “المنقذ”
الظهور المفاجئ والسريع لقائد كتيبة البراء في التوقيت المناسب تماماً، بينما غابت السفارة والجهات الرسمية، يبدو وكأنه سيناريو مُحكم الإعداد . هذا التنسيق الدقيق نادراً ما يحدث بالصدفة.
رابعاً: حجم العملية وسهولة كشفها:
عملية بحجم 22 حافلة و1100 شخص ليست عملية سرية، بل عملية علنية يسهل رصدها ومنعها قبل وقوعها. لماذا لم تتدخل الأجهزة الأمنية لمنعها رغم علنيتها؟
خامساً: غياب السفارة المُبرمج:
صمت السفارة السودانية وعدم تدخلها لثلاثة أيام كاملة يبدو مُبرمجاً ليفتح المجال لظهور “المنقذ البديل” من خارج الإطار الرسمي.
الهدف المحتمل: إعادة تأهيل صورة النظام السابق: إذا صحت فرضية التدبير، فإن الهدف واضح: إظهار ممثلي النظام السابق كـ”منقذين للشعب” في وقت تخلت فيه الحكومة الانتقالية بقيادة كامل إدريس عن مواطنيها. هذا النوع من العمليات النفسية يهدف إلى:- زرع الشك في كفاءة النظام الحالي- تقديم النظام السابق كبديل أكثر فعالية- استغلال معاناة الناس لتحقيق مكاسب سياسية
– إعادة تأهيل رموز النظام السابق في أعين الشعب
“تساؤلات تتطلب تحقيقاً عاجلاً:
– من الذي أعطى معلومات دقيقة لقائد الكتيبة عن مكان وزمان الأزمة؟
– لماذا تم إبعاد السفارة عن المشهد بهذا الشكل المُبرمج؟
– من يقف وراء حماية المحتال من العدالة؟
هذه الأسئلة تتطلب تحقيقاً نزيهاً وشفافاً، لأن الأمر قد يتجاوز مجرد عملية نصب واحتيال إلى مؤامرة تستهدف استغلال معاناة الشعب لتحقيق أهداف سياسية.
” الشبكة الإجرامية: نصب مزدوج”
ما يزيد من فداحة الجريمة أن المحتال لم يكتف بالنصب على المواطنين السودانيين ، بل نصب أيضاً على أصحاب الحافلات من الجنسية المصرية أنفسهم. نصب مزدوج يكشف عن مدى التخطيط والإجرام في هذه العملية، أو ربما يكشف عن طبيعة مسرحية للحدث بأكمله.
أحد أصحاب الحافلات قال لمصدرنا : “الراجل ده قال لنا هيدفع لنا فلوس الرحلة، وخلانا نجهز البصات، وبعدين اختفى وسابنا مع الركاب في المشكلة دي”.
لمنع تكرار مثل هذه الجرائم، يجب:
على المستوى الرسمي: – إنشاء آلية تحقق من المبادرات الخاصة بالعودة للوطن – تفعيل دور السفارات في حماية الرعايا
“الأبعاد النفسية والاجتماعية”
الصدمة النفسية التي تعرض لها الضحايا لا تقل خطورة عن الخسارة المالية. أختصاصي علم النفس قال لنا : “هؤلاء الأشخاص فقدوا الثقة ليس فقط في الآخرين، بل في إمكانية العودة للوطن نفسها”.
” المتابعة والمحاسبة”
بعد أيام من المعاناة، تدخلت جهات رسمية وشعبية لحل الأزمة، لكن السؤال الأهم: متى سيتم القبض على المحتال؟ ومتى سيسترد الضحايا حقوقهم؟
“درس قاسٍ في الثقة المفقودة”
هذه الواقعة المؤسفة تمثل درساً قاسياً في كيفية استغلال آمال الناس وأحلامهم في العودة للوطن. 440 ألف جنيه مصري ليست مجرد أرقام، بل مدخرات أسر بأكملها حلمت بالعودة فوجدت نفسها في كابوس.
إن استغلال معاناة الشعب السوداني واستثمار آلام التشريد والنزوح القسري بسبب الحرب العبثية لتحقيق مكاسب شخصية وربما سياسية يمثل قمة الانحطاط الأخلاقي. هذه الجريمة تتطلب:
– محاسبة فورية وعادلة للمحتال ومن ساعده – تعويض الضحايا ومساعدتهم
– إصلاح منظومة حماية المواطنين في الخارج – تفعيل دور الإعلام في التحذير من المحتالين
السودان يستحق أبناء أفضل من هذا المحتال الذي أساء لسمعة الوطن وشعبه.

زر الذهاب إلى الأعلى