صديقي ود الفكي
لايخفى عليك أنه
في العشرين من يوليو الجاري، تستضيف العاصمة الأمريكية واشنطن اجتماعًا رباعيًا غير مسبوق، يضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، بدعوة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. الهدف المعلن لهذا الاجتماع هو محاولة إنهاء الحرب السودانية الممتدة منذ أبريل 2023 عبر وقف لإطلاق النار، تقوده واشنطن تحت عباءة “الصفقة الكبرى”
ولكن،يا ود الفكي لايخفى عليك أيضا انه وبينما تتجه الأنظار إلى هذا التحرك الدولي، تتزايد المخاوف داخليًا وخارجيًا من أن ما يُطبخ في الغرف المغلقة ليس أكثر من “سلام هش” قائم على تسويات تجارية وجيوسياسية، لا يراعي حقيقة الصراع في السودان، ولا يحترم إرادة شعبه ولا تعدده السياسي والاجتماعي فالتجربة التي يتوقع كثيرون أن يستند إليها ترامب في التعامل مع الملف السوداني، هي تجربته مع “اتفاقيات إبراهام”، تلك التي جمعت بعض الدول العربية بإسرائيل تحت غطاء أمريكي، مقابل وعود بمكاسب اقتصادية وصفقات استثمارية.
وفي السودان، تبدو الطبخة مشابهة: حوار بين الداعمين الإقليميين لطرفي الحرب – السعودية ومصر مع الجيش، والإمارات مع الدعم السريع – برعاية أمريكية. الهدف: الوصول إلى “تفاهم” يوقف القتال، ويُظهر ترامب بمظهر رجل السلام القوي القادر على ما عجزت عنه إدارة بايدن.
لكن هل يقود وقف إطلاق النار وحده إلى السلام؟ الإجابة يختصرها الباحث أليكس دي وال في مقاله الأخير: “هذا ليس سلامًا، بل تقاسم للغنائم” .. نعم أرى في وجهك تساؤلا مفاده ماعلاقة كل هذا بما قلته في الفديو الذي “جاييك ياباشا ما تستعجل”..
“أظنك تتفق معي أن سلام الصفقة” لا يعالج جذور الحرب ونموذج “السلام التجاري” الذي تقوده قوى الرباعية – بحسب دي وال – لا يقوم على العدالة أو المساءلة أو حتى الحوار بين السودانيين أنفسهم. بل هو تفاهم بين العواصم الممولة والمتدخلة، هدفه تقاسم النفوذ وتقليل الخسائر السياسية والعسكرية، دون أي اهتمام بمصير الدولة السودانية، أو أصوات شعبها التي ظلت تنادي لأعوام بمدنية الحكم والعدالة الانتقالية، هذا ما جعل كثيرين يرون أن الاجتماع المرتقب قد يُفضي إلى “هدنة جبرية”، تعيد تقنين وجود المليشيات، وتُبقي الجنرالات على سدة السلطة، وتحول السودان إلى ساحة نفوذ بين أبوظبي والرياض والقاهرة، تحت مظلة أمريكية
ناتي الى حديثك بعد هذه المقدمة الطويلة وأقول، بدا لي واضحا حسن نيتك ودفعك باتجاه حلحلة الازمات عبر حوار يكون المبادر فيه السودانيين انفسهم وتلك لعمري نية طيبة ولكن دعنا نقول:
محمد الفكي، أحد أبرز وجوه الثورة والمقاومة المدنية للانقلاب،25 اكتوبر فاجأ الناس بتصريح رأى فيه البعض لغة إيجابية تجاه حكومة بوراتسودان المدعومة عسكريًا، واعتبروه انحناءة غير مفهومة، بينما اعتبره آخرون تعبيرًا عن واقعية سياسية تستجيب لتعقيدات الميدان والمشهد، واعتبرته أنا -لاني اعلم انك تعلم حجم ” الطامة الكبرى التي ستقع خلال أيام على رؤسنا جميعا”- محاولة لاستباق صفقة ترامب المبنية في مرحلتها الأولى على وقف لاطلاق النار يحتفظ فيه كل طرف بمناطق نفوذه وربما تتم بعض المقايطات الجغرافية ؟أنسحب من هنا وسأنسحب لك من هناك .. هذا الحل فعليا لا يجلب سلام ولكنه قد يوقف الحرب، ونهايته تقسيم للبلد مالم يصاحبه عمل مدني قوى تتكاتف فيه كل القوى السياسية المهتمة بوحدة التراب الوطني والحفاظ على جغرافية هذه البلاد المنكوبة بعقوق أبنائها، لكنك نسيت امرا واحدا ان تحالف بورتسودان الظاهر لنا في الصورة ماهو الا ظل لفيل يتخفى خلف المشهد وهذا الفيل لايهمه ان يهد المعبد على رؤس العباد.
أما فولكر بيرتس، فقد رسم ملامح مأساوية أكثر خطورة
وصف قوات الدعم السريع بأنها مليشيا أسرية” وقد صدق “،
أشار إلى أن استعادة الجيش للخرطوم منحتْه “بعض الشرعية”، لا كاملها، وهنا اظنه قد جامل بعض الشئ
لكن، والأهم، حذّر من خطر التقسيم والانهيار الشامل، إذا استمرت الحرب أو طالت
تصريحات فولكر، رغم جزئياتها التي فرح بها أنصار الجيش، إلا أنها – في جوهرها – تحذر من أن المسار الحالي، سواء العسكري أو السياسي، يقود السودان إلى التفكك
فمن حديثك وحديث فولكر نستشف أن مخاطر “الحل السريع”: تفكيك لا توحيد
وان المخاطر التي تلوح في الأفق ليست محض تخوفات نظرية، بل سيناريوهات واقعية
ففي ظل استمرار الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، وتآكل سلطة الدولة المركزية، فإن أي اتفاق هش قد يُكرّس واقعًا جديدًا، تكون فيه الخرطوم تحت سيطرة الجيش، ودارفور تحت سيطرة الدعم السريع، والمناطق الأخرى رهينة تفاهمات محلية مسنودة خارجيًا. وهذا – وفق تحذير فولكر – بداية تفكك الدولة ، فعوضا من تفكيك المليشيات جميعها ومحاسبه قادتها على ما ارتكبوه من جرائم، قد يُمنح الحل السريع “شرعية الأمر الواقع” تحت بند المصالحة، فينجو كيكل وقجة وغيرهم من المحاسبة على موبقات الجزيرة التي ارتكبوها ويفلت عبد الرحيم دقلو والمصباح طلحة من المحاسبة وبلاشك سنرى صورهم في اعلام الكراهية متصافحين كابطال للسلام
فالنموذج المتداول ياعزيزي هو سلام بين جنرالات، وليس بين مجتمعات. وبالتالي تُقصى لجان المقاومة، والنساء، والشباب، والقيادات المحلية والدينية من أي دور في رسم مستقبل البلاد
في الختام
قد ينجح ترامب – بدبلوماسيته الاستعراضية – في فرض “هدنة مؤقتة” تُرضي بعض العواصم، وتُقدّم على أنها نصر سياسي، وربما تُسوّق كورقة انتخابية
لكن الحقيقة الأعمق أن أي سلام لا ينبع من الداخل، ولا يحترم الشعب، ولا يعالج جذور الأزمة، هو مجرد تأجيل لجولة أخرى من الانهيار، والداخل يحتاج كيما يصحو الى صوت محمد الفكي المصادم الذي يضع الاصبع على موضع الألم لاصوت محمد الفكي المهادن.
نعم دعوا الحرب تتوقف
لكن لا تسمحوا بأن يُدار السودان من الخارج مرة أخرى
دعوا السودانيين يقودون، أو كما قال اليكس دوال في مقاله الأخير.. والقيادة لاتعني ابدا توجيه الخطاب المهادن لان الفيل سيظنه ضعفا أما ظله فهو بلاحول ولاقوة.
تحياتي
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية



