أثار مبارك الفاضل المهدي، زعيم حزب الأمة السوداني، جدلًا واسعًا بعد أن اتهم في منشور على منصة X مساء السبت، ضباطًا إسلاميين داخل القوات المسلحة السودانية بالوقوف وراء الهجوم الذي وقع في 15 أبريل 2023 على وحدات قوات الدعم السريع في المدينة الرياضية بالخرطوم، وهو الهجوم الذي يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره الشرارة الأولى للحرب الأهلية المستمرة في البلاد.
وبحسب الفاضل، فإن القرار لم يصدر عن القيادة العليا الرسمية للجيش بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، بل جاء من ضباط كبار متحالفين مع حزب المؤتمر الوطني المحظور والحركة الإسلامية، بناءً على توجيهات من شخصيات نافذة في النظام السابق، أبرزهم علي كرتي وعلي عثمان محمد طه. وكتب الفاضل في منشوره: “أطلقوا الرصاصة الأولى”، داعيًا الأمم المتحدة إلى تشكيل لجنة مستقلة لتقصي الحقائق وإحالة المسؤولين عن الجرائم إلى المحكمة الجنائية الدولية.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتبادل فيه القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع الاتهامات بشأن من بدأ الحرب، ما يجعل اتهام شخصية سياسية بارزة لضباط إسلاميين داخل الجيش تحولًا لافتًا في سردية النزاع، ويُعيد تسليط الضوء على دور الإسلاميين في تفجير المرحلة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر 2019.
ويرى مراقبون أن دعوة الفاضل لتحقيق دولي قد تُسهم في توسيع قائمة الأفراد المعرضين للعقوبات أو الملاحقة القضائية، خاصة في ظل تزايد الأدلة على ارتكاب جرائم حرب من كلا الطرفين. ورغم أن الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي لم يتبنّيا بعد مقترح تشكيل لجنة دولية لتقصي الحقائق، إلا أن منظمات حقوقية تؤكد أن الظروف الميدانية تُرجّح هذا الخيار بشكل متزايد.
سياسيًا، يُنظر إلى بيان الفاضل على أنه محاولة لفصل فصائل حزب الأمة عن الإسلاميين الذين يُحمّلهم كثير من السودانيين مسؤولية إفشال المرحلة الانتقالية، وإعادة إنتاج النظام السابق عبر تحالفات عسكرية وسياسية جديدة. ويُعد هذا التصريح من أبرز المواقف التي تُعيد رسم خريطة الاتهامات في المشهد السوداني، وتفتح الباب أمام تحقيقات دولية محتملة قد تُعيد ترتيب أولويات العدالة والمساءلة في البلاد.
وخلال إحاطة رسمية أمام مجلس الأمن الدولي، أكدت نزهت شميم خان، نائبة المدعي العام للمحكمة، أن مكتبها يخطط لزيارة جديدة إلى السودان خلال الفترة المقبلة، بهدف التركيز على تنفيذ أوامر القبض، مشيرة إلى أن المطلوبين لا يزالون داخل البلاد، وأن المحكمة لن تتراجع عن مساعيها لتحقيق العدالة. وقالت خان: “نجتمع في وقت يصعب فيه إيجاد الكلمات المناسبة لوصف عمق المعاناة في دارفور”، مؤكدة أن هناك أسبابًا معقولة للاعتقاد بأن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية قد ارتُكبت ولا تزال تُرتكب في الإقليم، خاصة في ظل التطورات الأخيرة التي وصفتها بأنها مؤشر خطير على تفاقم الكارثة الإنسانية.
وفي سياق متصل، أشار مكتب المدعي العام إلى أنه يتابع عن كثب التقارير الواردة من ولاية شمال دارفور، بشأن الهجمات التي شنتها قوات الدعم السريع والقوات المساندة لها على مدينة الفاشر، ومخيمي زمزم وأبو شوك للنازحين، مؤكدًا أن هذه الهجمات تُضاف إلى سجل الجرائم المستمرة في الإقليم.
وشددت خان على أن المحكمة الجنائية الدولية ملتزمة تجاه الضحايا، قائلة: “سنعمل بكل ما في وسعنا لضمان ألا يُفلت أي شخص متورط من العقاب، بما في ذلك عمر البشير وبقية المسؤولين السابقين”، داعية المجتمع الدولي إلى تحمّل مسؤوليته الأخلاقية والقانونية في دعم جهود المحكمة.
وأوضحت أن مكتب المدعي العام وصل إلى استنتاجاته بناءً على أنشطة ميدانية مكثفة، شملت جمع وتحليل الأدلة الوثائقية والشهادات والأدلة الرقمية، مؤكدة أن التقدم المحرز لا يزال غير كافٍ مقارنة بحجم المعاناة التي يشهدها الإقليم. كما كشفت أن أنشطة المكتب خلال الفترة المقبلة ستُركز على توثيق الجرائم القائمة على النوع الاجتماعي، مؤكدة أن حماية ودعم نساء دارفور لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال العمل الجماعي المنسق بين المحكمة والمجتمع الدولي.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتصاعد فيه الدعوات الدولية لتفعيل آليات العدالة الدولية في السودان، وسط تحذيرات من أن استمرار النزاع المسلح قد يؤدي إلى انهيار شامل في الوضع الإنساني، ما يستدعي تحركًا عاجلًا على كافة المستويات.



