
عبدالباسط شاطرابي
فيروس النوم في العسل بدأ هجمته، فالحديث عن ترميم ولاية الخرطوم بدأ يعلو، وكأن الخرطوم كانت ترفل في ثوب الحضارة.. منارة بين عواصم العالم!
الغرق في أحاديث الترميم هو غشاوة في الأعين، وإبعاد عن التفكير لتجاوز التردي الذي كانت تعيشه العاصمة بمدنها الثلاث، طوال عقود، مقارنة برصيفاتها في الجوار الأفريقي والعربي.
أي مرحلة قادمة في وجه العاصمة، يجب أن تستصحب التفكير في الانطلاق من حيث انتهى الآخرون، فالسعي لبدايات عفا عليها الزمن، هو تأسيس لشوط جديد من التردي.
البنيات التحتية لم تعد سمة حضارية فقط، بل هي سمة إنسانية واجبة الاعتبار في عالم اليوم.
الأمر لا يقتصر، مثلاً، على الصرف الصحي، أو الطرق التي يجب أن تربط الأجزاء المشتتة والتي تليق بالاتساع الجغرافي، أو بشبكات الكهرباء بأعمدتها الخطيرة والمثيرة للتلوث البصري، وشبكات الإنترنت التي تترنح تحت الاهتزازات في كل مناحي الحياة.. هذه كلها تحتاج “فرمتة” لخلق واقع جديد لا يمت للقديم بصلة!
نعم.. بعض الترميم الإسعافي المحدود مطلوب، وتحديداً في الأساسيات، لكن الأمر يتعلق بتفكير مجنّح ومنفلت عن مألوفنا.
علوم الحاسوب لا تحبس نفسها الآن في نطاقها التقليدي، فنحن بتنا أمام انفجار معرفي غير مسبوق في تاريخ البشرية، يستدعي غربلة مناهجنا التعليمية منذ الابتدائية، لتحل مناهج الذكاء الاصطناعي محل الحشو الذي قتل فينا كل إبداع، ونحتاج مرافق تعليمية متخصصة، كليًّا أو جزئيًّا، لتدريس الذكاء الاصطناعي وأحدث عطاءات العالم الرقمي.
نحتاج التفكير في تقليص بعض كلياتنا الأكاديمية إلى النصف، ما دام سوق العمل لا يحتاجها ولو مرحليًّا، وتحفيز الفرص وتوسيعها في مجال التدريب المهني الوسيط والرفيع، والذي ندين له في مراحل سابقة باستفادته من علوم ومهارات ذلك الزمان، فبنى خريجوه ما تبقى الآن من شبكات الكهرباء والصرف الصحي والطرق والجسور.
نحن الآن بحاجة إلى تخطيط يطرق أبواب المباني والمرافق الذكية، والشوارع المراقبة بالكاميرات والمربوطة بغرف متطورة للرصد والمتابعة، وبحاجة إلى إعادة تخطيط لمناطق ولأحياء داخل عاصمتنا.. نستحي من دخول زائر أو سائح لأرجائها، وتعج بما يقال أو لا يقال من المظاهر والمثالب والدمامل!
نحتاج ملفات صحية إلكترونية لكل مواطن، تمنع الهدر في المال والزمن، وتجعل المراجع قادراً على اختصار الشكوى وسرد التاريخ المرضي عند أي زيارة لمرفق صحي.
المجالات كلها تحتاج إعادة نظر، والحرب هي العدو الذي يكبح كل تفكير في الانطلاق الآمن، لكن الحروب مصيرها إلى زوال، وإعادة التعمير ستأتي بالجهد المحلي والدعم الخارجي والاستثمارات الدولية، لو أحسنا ارتياد الطرق.
وباختصار:
نريد ترميم العاصمة؟ إذن لنهنأ بالتقهقر إلى الأمس.
نريد القفز على الواقع وعلى الماضي؟ إذن وجدنا الترياق الأوحد لهزيمة الفيروس.
………….
منطق:
س: ماذا تسمون الحساء الساخن؟
ج: نسميه السخين.
س: وإذا برد ماذا تسمونه؟
ج: لا نتركه يبرد!



