” رحلة التناقضات: من “شريك الثوار” إلى “عدو الثورة” تتبع مسار التحولات في خطاب ومواقف عبد الفتاح البرهان (2019-2025)
تقرير أعده : المستشار معاوية أبوالريش
في الثاني عشر من أبريل 2019، استقبلت الحشود السودانية في ساحة الاعتصام أمام القيادة العامة للجيش نبأ تولي عبد الفتاح البرهان رئاسة المجلس العسكري الانتقالي بارتياح حذر. فقد جاء تعيينه بعد استقالة الفريق أول عوض بن عوف تحت ضغط الشارع الثائر الذي رفض أن يقود المرحلة الانتقالية أحد رموز حقبة البشير. وعدّت قوى الثورة آنذاك وصول البرهان للسلطة خطوة إيجابية نحو تحقيق مطالبها. لكن ستة أعوام لاحقة، كشفت عن سلسلة من التحولات الجذرية في المواقف والتصريحات تطرح تساؤلات جوهرية حول الثبات على المبادئ والمصداقية السياسية. هذا التقرير يتتبع زمنياً تطور خطاب البرهان منذ اللحظة الأولى لتوليه السلطة، مُسلطاً الضوء على التناقضات والتحولات دون إصدار أحكام مسبقة، تاركاً للقارئ حرية الاستنتاج.
الفصل الأول: البدايات المُبشرة المجلس العسكري الانتقالي (أبريل – أغسطس 2019)
“المجلس ملتزم بنقل السلطة إلى الشعب”
في الرابع عشر من أبريل 2019، وفي أول مقابلة تلفزيونية له عقب توليه رئاسة المجلس العسكري الانتقالي بيومين، أعلن البرهان أن “المجلس ملتزم بنقل السلطة إلى الشعب”، مؤكداً أن المجلس سيرد خلال أسبوع على مطالب قادة الاحتجاجات. كان هذا التصريح أول إشارة رسمية لاستعداد البرهان للتنازل عن السلطة للمدنيين، وهو ما لاقى ترحيباً حذراً من قوى الثورة.
الالتزام بفترة انتقالية محددة والشراكة مع الثوار:
في الثالث عشر من أبريل 2019، وفي بيانه الرسمي الثالث، التزم البرهان بـ”فترة انتقالية مدتها عامان كحد أقصى تفضي إلى حكومة مدنية”. وقد أكد في ذات البيان أن القوات المسلحة السودانية هي “شريك أصيل للشعب في التحرر”، وأن المجلس العسكري سيعمل على “إرساء دعائم حكم مدني قويم” و”تسليم حكم الدولة لحكومة مدنية مشكلة من قبل الشعب”.
كما حدد البرهان في ذات البيان مهام المجلس العسكري طيلة الفترة الانتقالية، والتي تضمنت “التأكيد على سيادة حكم القانون واستقلال القضاء والنيابة والمحكمة الدستورية، وتوفير وحفظ الأمن وبسط الطمأنينة للوطن والمواطن، وإزالة كل القيود والحواجز التي تعيق العمل الحر مع إشاعة روح المساواة والتسامح، وتهيئة المناخ السياسي لكل مكونات المجتمع لبناء وتكوين أحزاب وتنظيمات تمارس أنشطتها السياسية والمهنية التي تفضي للانتقال السلمي للسلطة”.
قبول المفاوضات والشراكة مع قوى الثورة:
في أبريل 2019، قبلت “قوى إعلان الحرية والتغيير” دعوة من المجلس العسكري للاجتماع معه “بهدف الانتقال لسلطة مدنية انتقالية تنفذ بنود إعلان الحرية والتغيير كاملة” وقد أظهر البرهان في هذه الفترة مرونة في التعامل مع قوى الثورة، حيث بدأت المفاوضات مع “زعماء المعارضة وقادة الثورة من أجل التوصل لحل فيما يخص الحكومة المدنية”.
محاولات الاستقالة المبكرة:
في ظاهرة لافتة تكشف عن تردد مبكر، أفادت مصادر صحفية في مايو 2019 أن البرهان تقدم بـ”استقالته 3 مرات، أول مرة كانت يوم 19 أبريل وبعدها يوم 25 ولم يتم قبولهما، كما قدم استقالته داخلياً للمرة الثالثة خلال أسبوعين”. وتابعت المصادر أن “استقالات البرهان قوبلت بالرفض عدة مرات لأسباب تعلقت بموازنات القوة العسكرية”. هذه المحاولات المبكرة للاستقالة قد تشير إما لعدم رغبة حقيقية في البقاء بالسلطة، أو لإدراك مبكر لحجم التحديات المقبلة. الفصل الثاني: مذبحة فض الاعتصام أول اختبار حقيقي (3 يونيو 2019)
الحدث الفاصل:
في الثالث من يونيو 2019، وبينما كان البرهان يتحدث عن الشراكة مع الثوار، وقعت مذبحة فض اعتصام الثوار أمام القيادة العامة للجيش، التي “راح ضحيتها أكثر من 1200 شخص وأصيب ما يقارب 4 آلاف، بعضهم بعاهات مستديمة” حسب تقديرات قانونيين وسياسيين. فيما قدرت لجنة الأطباء السودانيين المركزية العدد بأكبر مما ذكر .
تفاصيل المذبحة والمسؤولية:
وثقت التقارير أن “قوات مسلحة تابعة للمجلس العسكري وبدعم كبير من قوات الدعم السريع، الى جانب كتائب الاسلاميين اقتحمت مقر الاعتصام مستعملة الأسلحة الثقيلة والخفيفة وكذا الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين السلميين”. كما وثق مركز الأحفاد للإرشاد وعلاج الصدمة النفسية “65 بلاغاً من سيدات أفدن بتعرضهن للعنف الجنسي أثناء مذبحة فض الاعتصام”، وأن “الفريق الميداني للمركز تابع حالات 36 ناجية، تعرضت 31 منهن للاغتصاب”.
إنكار المسؤولية وتبرير الحدث:
في تاريخ لاحق ، نفى البرهان في مقابلة تلفزيونية له مع إحدى القنوات العربية “تورط أعضاء المجلس في فض اعتصام القيادة ، وأكد “عدم وجود علاقة للقوات المسلحة بمذبحة فض اعتصام القيادة العامة”.
التناقض الصارخ: اعتراف كباشي مقابل إنكار البرهان:
لكن في تناقض صارخ مع تصريحات البرهان، أقر المتحدث باسم المجلس العسكري الفريق شمس الدين كباشي في الرابع عشر من يونيو 2019، وفي مؤتمر صحفي مسجل صوتاً وصورة، بأن “المجلس العسكري هو من اتخذ قرار فض الاعتصام ووضعت الخطة لذلك، ولكن بعض الأخطاء والانحرافات حدثت”. وأضاف كباشي في ذات المؤتمر: “هناك خطة وُضعت لفض الاعتصام من قبل المجلس العسكري”.
هذا الاعتراف الرسمي من المتحدث باسم المجلس العسكري، المسجل صوتاً وصورة ومتاح على منصات التواصل الاجتماعي، يتناقض بشكل كامل مع إنكار البرهان في المقابلة التلفزيونية. فبينما كان البرهان ينفي أي علاقة للقوات المسلحة بالمذبحة، كان نائبه ومتحدثه الرسمي يقر علناً بالتخطيط والتنفيذ. هذا التناقض الموثق بالصوت والصورة يكشف عن نمط مبكر من التناقضات الذي سيستمر لسنوات.
محاولة تبرير فاشلة ونفي القضاء:
حاول كباشي تبرير الفض بالقول إن قرار فض الاعتصام اتخذ بعد اجتماع شارك فيه رئيس القضاء والنائب العام المكلف، وتم خلاله “أخذ المشورة القانونية منهما”. لكن “إدارة المكتب الفني والبحث العلمي بالسلطة القضائية السودانية أصدرت بياناً ردت فيه على تصريحات كباشي”، نافية أي دور للقضاء في قرار الفض.
كما نفى النائب العام السوداني (وقتها) ، وليد سيد أحمد، صحة ما أعلنه المجلس العسكري، وقال في مؤتمر صحفي: “حديث المتحدث باسم المجلس العسكري، شمس الدين كباشي، بشأن مشاركة النائب العام، ورئيس القضاء في الاجتماع الأمني لفض الاعتصام غير صحيح إطلاقاً”.
الكشف عن طبيعة المؤسسة العسكرية:
كشف هذا الحدث عن حقائق مؤلمة حول طبيعة الجيش السوداني. فقد علق الناشط الحقوقي صديق الأمين بأن “جريمة فض الاعتصام السلمي كشفت عن أن الجيش وبتركيبته التي أفرزتها ثلاثة عقود من سيطرة الإخوان على السلطة، لم يعد جيشاً قومياً بل صار فرعاً عسكرياً ينتمي لذات فكر دولة الإخوان”. وأضاف أن الجيش “خذل المعتصمين أمام مقراته ورماهم كولائم لحم مجانية للقتلة”.
الفصل الثالث: الشراكة الظاهرية مع المدنيين – الوثيقة الدستورية (أغسطس 2019)
التوقيع على الوثيقة الدستورية:
رغم أحداث فض الاعتصام المأساوية، استمرت المفاوضات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، وفي الخامس من يوليو 2019، تم التوصل إلى “اتفاق يقضي بتشكيل مجلس سيادي مكون من 11 عضواً يضم خمسة أعضاء عسكريين وخمسة أعضاء مدنيين بالإضافة إلى مدني واحد يتم اختياره بالإجماع”.
وفي الرابع من أغسطس 2019، وقع الطرفان “وثيقة الإعلان الدستوري” التي تحدد “الملامح الرئيسية لتشكيل الحكومة الانتقالية”ونصت الوثيقة على أن “يترأس قائد عسكري المجلس المكون من 11 عضواً خلال الأشهر الإحدى والعشرين الأولى، يليه زعيم مدني في الأشهر الثمانية عشر التالية”.
تشكيل مجلس السيادة وبداية “الشراكة”:
في الحادي والعشرين من أغسطس 2019، أدى البرهان اليمين أمام مجلس القضاء كرئيس لمجلس السيادة السوداني، وعُين عبد الله حمدوك رئيساً للوزراء. وبهذا بدأت ما سُميت بـ”الشراكة” بين العسكريين والمدنيين، والتي كانت في ظاهرها تحقيقاً لمطالب الثورة، لكن الأحداث اللاحقة كشفت عن طبيعتها الهشة.
تمكين قوات الدعم السريع في الخفاء:
بينما كان البرهان يتحدث عن الشراكة مع المدنيين علناً، شهدت هذه الفترة “الفترة الذهبية لتمدد وتوسع قوات الدعم السريع وقائدها حميدتي، بدأت، في حقيقة الأمر، بانقلاب البرهان الأول في 11 أبريل عام 2019، واستمرت حتى انقلاب البرهان الثاني في 25 أكتوبر 2021”. وأكدت المصادر أن “البرهان، بحكم موقعه خلال تلك الفترة، وبمقتضى القرارات والأوامر والتوجيهات التي أصدرها، هو المسئول الأول والأساسي عن هذا التمدد والتوسع”
الفصل الرابع: فترة الحكم المدني الهش (2019-2021)
تصاعد التوترات مع الحكومة المدنية:
خلال فترة حكومة حمدوك، ازدادت التوترات بين المكون العسكري والمدني. حيث سعى المكون العسكري بكل ما أوتي من قوة الى وضع العراقيل أمام الحكومة المدنية بغرض افشالها فشهدنا في ذلك الوقت إنفراط لعقد الأمن وتفشي النهب والسلب بسبب عدم التزام الجهات الأمنية بالقيام بواجباتها في حفظ الأمن ، وكذلك قفل ميناء بورتسودان الشريان الرئيسي للبلاد بواسطة ناظر البجة (ترك) ومناصريه، وغيرها من العراقيل.
الخلاف حول لجنة إزالة التمكين:
من أبرز نقاط الخلاف بين المكونين العسكري والمدني كانت “لجنة إزالة التمكين ومحاربة الفساد واسترداد الأموال” التي تشكلت بموجب قانون أقره مجلس الوزراء لتفكيك نظام البشير، بقرار من البرهان في ديسمبر 2019. هذه اللجنة أثارت حفيظة العسكريين لأنها مست مصالحهم الاقتصادية المتشابكة مع نظام البشير السابق.
إشارات الانقلاب المبكرة:
في سبتمبر 2021، قبل شهر من الانقلاب، “أحبطت الحكومة محاولة انقلاب عسكرية” وبحسب وزير الإعلام، فإن الجناة هم من “فلول النظام السابق” الذين حاولوا السيطرة على مباني تلفزيون الدولة والقيادة المركزية العسكرية، وتم اعتقال 40 ضابطاً بعد الحادث. هذا الحدث كان بمثابة بروفة للانقلاب الذي حدث بعد شهر.
الفصل الخامس: انقلاب أكتوبر 2021 نقطة التحول الحاسمة:
الوعود الأخيرة قبل الانقلاب:
وقبل أيام قليلة من الانقلاب، كان البرهان لا يزال يؤكد التزامه بالتحول الديمقراطي. حيث شدد البرهان على “الالتزام التام بالتحول الديمقراطي والحرص على حماية مكتسبات الثورة السودانية وتحقيق تطلعات الشعب السوداني”، مشيداً بـ”الدور الكبير الذي تضطلع به جامعة الدول العربية لدعم وإنجاح الفترة الانتقالية”.
يوم الانقلاب: كسر الوعود جملة واحدة:
في الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، نفذ البرهان انقلاباً ضد الحكومة المدنية. وقد “اعتُقل ما لا يقل عن خمسة من كبار الشخصيات في الحكومة السودانية، بمن فيهم رئيس الوزراء المدني عبد الله حمدوك”. كما “أُبلغ عن انقطاع الإنترنت على نطاق واسع”، وأعلن البرهان “حل مجلس السيادة، وفرض حالة الطوارئ، وإعفاء معظم وزراء حكومة حمدوك وكذلك إعفاء حكام الولايات”.
تبرير الانقلاب: من “الشراكة” إلى “الإجراءات التصحيحية”
بعد الانقلاب، سمى البرهان ما قام به “إجراءات تصحيحية”، في محاولة لتجميل صورة انقلابه. بينما سمتها “الحرية والتغيير-المجلس المركزي”، وغالب القوى السياسية، وقوى متظاهرة في الشارع، بـ”انقلاب”وقد مثل هذا التغيير في التسمية أول محاولة لإعادة صياغة السردية التاريخية للأحداث.
رد الفعل الشعبي: “برهان ما تحكمنا”
خرجت “حشود ضخمة من المتظاهرين في الخرطوم ومدن أخرى تندد بالانقلاب وتطالب بعودة الحكم المدني”وقتها “علت الهتافات المنددة بحكم العسكر، وأعلن الثوار رفضهم لأي شراكة أو تفاوض مع المجلس العسكري الجديد، مرددين شعارات مثل برهان ما تحكمنا والعسكر للثكنات”واتخذت الحركة الاحتجاجية شعاراً جامعاً: “لا تفاوض، لا شراكة، لا شرعية” تعبيراً عن رفض أي حل وسط مع الانقلابيين.
الفصل السادس: محاولة ترميم الصورة والاعتراف بالفشل (2022-2023)
“لن نتراجع عن التحول الديمقراطي” العودة للخطاب القديم:
في يناير 2023، وفي محاولة لترميم صورته بعد الانقلاب، عاد البرهان للحديث عن التحول الديمقراطي. أكد البرهان للشعب السوداني “لن نخذلكم ولن نتراجع عن الخطوات التي اتخذناها من أجل تحول ديمقراطي حقيقي”، وشدد على أن “هدفنا تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي في السودان من دون تدخل المؤسسة العسكرية”، وأن “القوات المسلحة السودانية ستخضع لإمرة السلطة المدنية”.
انتقادات الخبراء: “تناقضات من بدايته إلى نهايته”
لكن هذه التصريحات قوبلت بانتقادات واسعة من الخبراء والمحللين. اعتبر البروفيسور صلاح الدومة، أستاذ العلوم السياسية، أن “تصريحات البرهان الأخيرة محاولة للالتفاف والنكوص عن تعهداته السابقة بعدم تدخل الجيش في السياسة وترك أمر السياسة وتشكيل الحكومة للمدنيين” وأشار إلى أن “هذه ليست المرة الأولى التي ينكص فيها البرهان عن تعهداته”، مؤكداً أن “خطاب البرهان يحمل تناقضات من بدايته إلى نهايته ويتناقض أيضاً مع أقوال وتصريحات سابقة”، وتابع قائلاً: “هذا عرفناه منذ ظهور البرهان كرئيس لمجلس السيادة”.
اعترافات بالفشل: “خُطانا تعثرت وأحلامنا تبعثرت”
في مايو 2022، أقر البرهان بتعثر خطى الدولة وتبدد أحلامها في كلمة بمناسبة عيد الفطر قائلاً: “خُطانا تعثرت وأحلامنا تبعثرت وصفوفنا تباعدت”واعترف البرهان بـ”الانعكاسات السالبة التي ترتبت على البلاد بعد الخامس والعشرين من أكتوبر سياسياً واجتماعياً وأمنياً ، مما عرّض مستقبلها للمخاطر”.
ووصف مراقبون ونشطاء في مواقع التواصل الاجتماعي وقتها حديث البرهان بـ”العاجز” وغير الصادق. وعلق الهادي إدريس قائلاً إن “استيلاء الجيش على السلطة في 25 أكتوبر وفر كل أركان الدولة الفاشلة، وقوّض كل مكتسبات الثورة خاصة تدفق العون الأجنبي ومسيرة إعفاء الديون، وإزالة اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب”.
الفصل السابع: من الحليف إلى العدو – التحول في العلاقة مع قوات الدعم السريع:
تشريع وجود قوات الدعم السريع (2019-2021)
خلال فترة الشراكة بين المكونين العسكري والمدني ، “ظل الثوار ينادون بحل ميليشيا الجنجويد – في إشارة إلى الدعم السريع – بينما كان يصفها البرهان بأنها قوات خرجت من رحم الجيش ويشرعن وجودها”وأكدت المصادر أن فترة حكم البرهان مثلت “العهد الذهبي لقوات الدعم السريع”، حيث تم تمكينها وتوسيع نفوذها بقرارات مباشرة من البرهان.
تحميل الآخرين المسؤولية: (2023-2025)
لكن لاحقاً، وبعد اشتعال الحرب مع قوات الدعم السريع في أبريل 2023، بدأ البرهان في تحميل “البشير وحكومته مسئولية إنشاء وتقوية وتوسيع مقدرات قوات الدعم السريع وقائدها حميدتي”، متنصلاً من دوره السابق في تقوية هذه القوات. وفي أكتوبر 2023، اتهم البرهان قوات الدعم السريع بأنها “متورطة في فض اعتصام القيادة العامة والتنكيل بالشعب السوداني”، وهو اتهام جاء بعد أربع سنوات من الحدث وبعد أن أصبح حميدتي عدواً له.
ردود الفعل على اتهامات البرهان:
لكن “سهام الاتهامات هذه ارتدت عليه أيضاً وحملته جزءاً من المسؤولية”. فقد أكد قانونيون أن “المجلس العسكري برمته مسؤول عما حدث في الثالث من يونيو 2019، وأن البرهان مسؤول مباشرة بحكم أنه الرئيس السياسي والقائد العسكري الأول”. كما أشار الرئيس السابق لمفوضية حقوق الإنسان في السودان، رفعت ميرغني، إلى أن البرهان “أطلق سراح اللواء الصادق سيد المتهم الرئيس بتنفيذ جريمة فض الاعتصام، ومعه جنرال آخر، كانا رهن الاحتجاز بعد اشتعال الحرب”.
الفصل الثامن: مواقف متذبذبة من الحوار والسلام (2024-2025)
الدعوة للحوار أمام الأمم المتحدة:
في سبتمبر 2024، ظهر البرهان أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة معلناً أن “حكومة السودان مستعدة للانخراط في أي مبادرة تنهي الحرب”، مشدداً على أن “خارطة إنهاء الحرب في السودان واضحة”. وأكد على “ضرورة وصف تمرد ميليشيا الدعم السريع وصفاً حقيقياً بأنها قوة مسلحة تمردت على الدولة وارتكبت جرائم ترقى لتصنيفها كجماعة إرهابية”.
رفض المبادرات العملية:
لكن في الممارسة العملية، رفض الجيش بقيادة البرهان “محادثات تقودها الولايات المتحدة في سويسرا استهدفت تحسين وصول المساعدات الإنسانية ورسم مسار نحو وقف إطلاق النار في السودان”واستبعد البرهان “أي مصالحة مع قوات الدعم السريع”، وتعهد بـ”سحق القوات شبه العسكرية” قائلاً: “لا تفاوض ولا مساومة”، مؤكداً التزام الجيش بـ”استعادة الوحدة الوطنية والاستقرار”.
رفض التدخل الخارجي: التناقض مع الدعوات السابقة:
في فبراير 2025، غيّر البرهان موقفه مرة أخرى، معلناً أن “نحن نرفض أي حلول تأتي من الخارج”، في تناقض واضح مع دعواته السابقة للمجتمع الدولي للمساعدة أمام الأمم المتحدة. وشدد على أنه “لن يكون مقبولاً لحكومة وشعب السودان مشاركة أي دولة أو منظمة دعمت الحرب أو شاركت في قتل السودانيين وتشريدهم”. هذا التحول الجذري في الموقف من التدخل الدولي كشف عن عدم وضوح في الرؤية السياسية أو عدم ثبات على المواقف المعلنة. الفصل التاسع: المواقف من الحركة الإسلامية – تناقض صارخ بين القول والفعل:
التطبيق العملي: دعم الإسلاميين بعد الانقلاب:
لوحظ أن “كل قراراته التي أصدرها عقب انقلابه على السلطة المدنية في 25 (أكتوبر)2021 ، جاءت في مصلحة المنتمين إلى حزب المؤتمر الوطني، حيث فك تجميد أرصدتهم التي حجزتها حكومة الثورة في البنوك، وأعاد معظمهم إلى وظائفهم التي أبعدتهم عنها لجنة تفكيك نظام الإنقاذ”. هذه الإجراءات العملية تناقضت تماماً مع خطابه اللاحق ضد الحركة الإسلامية.
الخطاب المضاد: مهاجمة الحلفاء السابقين:
لاحقاً، في تحول مفاجئ، هاجم البرهان “حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية، محذراً إياهما من الاقتراب من القوات المسلحة، وقال: يكفيكم 30 سنة في الحكم دمرتم من خلالها البلاد، اذهبوا وليأت غيركم للحكم”. وأضاف: “الناس العايزين يتضاروا خلف الجيش دا ما عندنا” (الذين يريدون التستر خلف الجيش، ليس لهم مكان عندنا).
تقييم المحللين للموقف المتناقض:
وصف أحد المحللين السياسيين هذا التناقض قائلاً إن البرهان “ظل منذ انقلابه يردد أن الحل السياسي يجب أن يشمل الجميع عدا المؤتمر الوطني، لكن تعامله مع منسوبي المؤتمر الوطني، سواءً منسوبيه أم المؤسسات والجمعيات التي تتبع له، كانت تقول عكس ذلك”. هذا التناقض بين القول والفعل أصبح سمة مميزة لخطاب البرهان.
الفصل العاشر: من تمجيد الثورة إلى تجريمها – التحول الأكثر صدمة (2025)
الموقف الأخير: تجريم رموز الثورة:
في أبريل 2025، وصل التحول في خطاب البرهان إلى ذروته الصادمة. فقد قال في تصريحاته: “أوان إغلاق الطرق ولى مع الذين كانوا يقولون إن المجد للساتك – إطارات السيارات – وإن المجد أصبح للبندقية فقط” هذا التصريح مثل انقلاباً كاملاً على تاريخه السياسي منذ 2019، حيث تحول من “شريك أصيل للشعب في التحرر” إلى مجرّم لوسائل الثورة السلمية.
ردود الفعل الغاضبة من قوى الثورة:
أثارت هذه التصريحات “ردود فعل غاضبة من القوى التي صنعت التغيير في عام 2019 حين أطاحت، بعد سلسلة من الاحتجاجات السلمية، بنظام الرئيس عمر البشير” وردت عليه لجان مقاومة أم درمان القديمة بأن “الساتك” التي أُغلقت بها الشوارع كانت “صنيعة شعب لا يُقهر”، وأن خطاب قائد الجيش “لم يكن إلا استهزاءً بثورة هذا الشعب العظيم وتحقيراً لوسائل نضاله، إن المجد وكل المجد للساتك، لأنها كانت نار الغضب في وجه القهر”.
وأوضحت لجان المقاومة أن “الساتك ليست إطاراً بل صيحة ثائر، ودخانها كان نداء حرية، وشرارتها كانت ضوءاً في دروب التغيير، كما أن الثورة لا تحكمها رُتب ولا تُسكتها خُطب”. واستنكر تنظيم “نساء ضد الظلم” تصريحات البرهان، التي قال إنها “مسيئة لثورة ديسمبر والشهداء وداعية لاستمرار الموت والدمار”، وأضاف: “المجد للساتك يا برهان، والمجد للثورة والشهداء، وللآلاف التي تهدر في الشوارع كالسيول”.
تقييم التنسيقية النسوية: “المراوغة والتضليل”
وصفت التنسيقية النسوية الموحدة لوقف الحرب تصريحات البرهان بأنها “محاولة للقفز فوق الحقائق وتجريم الثورة وتنصل من مسؤوليته في إيصال البلاد إلى ما هي عليه الآن”. واعتبرت حديث قائد الجيش “استمراراً في منهج المراوغة والتضليل الذي عُرف به منذ قدومه إلى السلطة في أبريل 2019، حيث ظلّ الثوار ينادون بحل ميليشيا الجنجويد – في إشارة إلى الدعم السريع – بينما كان يصفها بأنها قوات من رحم الجيش ويشرعن وجودها”.
المفارقة المؤلمة: من المستفيد إلى المجرّم:
المفارقة المؤلمة أن “أعداداً مقدرة من الشباب الذين تظاهروا في وجه الحكم العسكري بعد انقلاب 25 أكتوبر 2021، انخرطوا في القتال بجانب الجيش ضد قوات الدعم السريع، وهو ما ضاعف موجة الغضب من تصريحات البرهان”. فقد تحول البرهان من مستفيد من نضالات هؤلاء الشباب إلى مجرّم لوسائل نضالهم التي أوصلته للسلطة في المقام الأول.
الفصل الحادي عشر: العزلة الدولية نتيجة التناقضات والممارسات:
العقوبات الأمريكية:
في السادس عشر من يناير 2025، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات على البرهان، وذلك لأسباب عديدة منها “استهداف المدنيين والبنية التحتية المدنية ومنع وصول المساعدات، وكذلك رفض المشاركة في محادثات السلام”. كما اتُهم بـ”زعزعة استقرار السودان وتقويض هدف التحول الديمقراطي” إلى حكومة يقودها المدنيون.
تدهور العلاقات الدولية:
هذه العقوبات جاءت كنتيجة طبيعية لسلسلة من التناقضات والممارسات التي أضرت بمصداقية البرهان دولياً. فمن الدعوة للدعم الدولي إلى رفض التدخل الخارجي، ومن الوعد بالتحول الديمقراطي إلى الانقلاب على المدنيين، ومن الشراكة مع الثوار إلى تجريم وسائل ثورتهم، كل هذه التحولات أدت إلى فقدان الثقة الدولية.
تحليل الأنماط: خريطة التناقضات عبر الزمن: النمط الأول: الوعود ثم النكوص الكامل – أبريل 2019: “المجلس ملتزم بنقل السلطة إلى الشعب” – أكتوبر 2021: ينقلب على الحكومة المدنية ويعتقل رئيس الوزراء – يناير 2023: “لن نتراجع عن التحول الديمقراطي”
– أبريل 2025: يجرّم وسائل الثورة السلمية ويمجد “البندقية”
النمط الثاني: من الشراكة إلى العداء المطلق: – 2019-2021: شراكة استراتيجية مع قوات الدعم السريع وتمكينها – 2023-2025: تحميلها مسؤولية كل الأزمات وإعلان العداء المطلق
النمط الثالث: الخطاب المزدوج والمتناقض: – الدعوة للحوار أمام الأمم المتحدة ووسائل الإعلام الدولية
– رفض المبادرات في الممارسة العملية ورفض المشاركة في المحادثات
النمط الرابع: التنصل من المسؤولية التاريخية: – الاعتراف بالفشل: “خطانا تعثرت وأحلامنا تبعثرت”
– تحميل الآخرين: البشير، المدنيين، الدعم السريع، والمجتمع الدولي
النمط الخامس: القول عكس الفعل
-القول: مهاجمة الحركة الإسلامية علناً
– الفعل: إعادة تمكين عناصرها وفك تجميد أصولها
الفصل الثاني عشر: شهادات المعاصرين والخبراء:
شهادة البروفيسور صلاح الدومة
قال البروفيسور صلاح الدومة، أستاذ العلوم السياسية: “هذا عرفناه منذ ظهور البرهان كرئيس لمجلس السيادة”، مشيراً إلى أن نمط التناقضات كان واضحاً منذ البداية. وأكد أن “خطاب البرهان يحمل تناقضات من بدايته إلى نهايته ويتناقض أيضاً مع أقوال وتصريحات سابقة”.
تقييم الناشط الحقوقي صديق الأمين
رأى الناشط الحقوقي صديق الأمين أن “انقلاب أكتوبر وتمزيق الوثيقة الدستورية لم يكن إلا استكمالاً لتلك الحلقات السوداء التي كشفت عنها مذبحة فض الاعتصام”. وأضاف: “بعد 6 سنوات من غسل الدماء من الأسفلت ومحو الجداريات لا يزال القتلة طلقاء، بل أصبحوا أشد فتكاً وشراسة وتصميماً على نية القتل”.
رأي الخبير القانوني رفعت ميرغني
أكد رفعت ميرغني، الرئيس السابق لمفوضية حقوق الإنسان في السودان، أنه لا يمكنه “الاطمئنان لرواية البرهان حول فض الاعتصام لأسباب عدة ، منها أن الجريمة استمرت لساعات وليس لدقائق، ولم تحدث في مكان قصي، بل على بُعد أمتار من مسكن البرهان ومن مكتبه، ورأى في إطلاق سراح المتهمين بجريمة فض الاعتصام بعد اشتعال الحرب “تأكيداً على عدم حرص البرهان على دماء شهداء الثورة”.
خلاصة: ستة أعوام من التحولات الجذرية:
الحصيلة الزمنية للتناقضات من الثاني عشر من أبريل 2019 إلى يوليو 2025، شهد خطاب البرهان تحولات جذرية في كل المحاور الأساسية:
الموقف من الثورة: من “شريك أصيل للشعب في التحرر” إلى مجرّم “الساتك” ووسائل النضال السلمي الموقف من المدنيين: من “الالتزام بنقل السلطة إلى الشعب” إلى الانقلاب عليهم واعتقال قادتهم
الموقف من حميدتي: من الحليف الاستراتيجي والشريك في تمكين قوات الدعم السريع إلى العدو اللدود المتهم بكل الجرائم
الموقف من الحوار: من الدعوة إليه أمام الأمم المتحدة إلى رفضه عملياً والإعلان عن “لا تفاوض ولا مساومة”
الموقف من الحركة الإسلامية: من التمكين العملي لعناصرها إلى مهاجمتها علناً
الموقف من التدخل الدولي: من طلب الدعم الدولي إلى رفض “أي حلول تأتي من الخارج”
الدرس للأجيال القادمة:
تطرح هذه المراجعة الزمنية الشاملة أسئلة جوهرية للأجيال القادمة:
السؤال الأول: كيف يمكن الوثوق بوعود سياسية في ضوء هذا التاريخ الموثق من النكوص والتناقض؟
السؤال الثاني: هل التحولات الجذرية في المواقف تعكس ظروفاً متغيرة أم عدم ثبات على المبادئ والقيم؟
السؤال الثالث: ما هو الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب السوداني نتيجة هذه التناقضات السياسية؟
السؤال الرابع: كيف يمكن للمؤسسات الدستورية أن تحمي نفسها من هذا النمط من التلاعب السياسي؟
شهادة التاريخ الموثقة: إن الوثائق والتصريحات المسجلة على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام تشكل أرشيفاً لا يمحى، يمكن للأجيال القادمة من خلاله قراءة هذه المرحلة وفهم كيف تحوّل من وُصف في البداية بـ”منقذ الثورة” إلى من يجرّم رموزها ووسائلها، والتاريخ، كما يُقال، لا يرحم الذين يتلاعبون بثقة الشعوب ويغدرون بأحلامها.
لقد رسم البرهان بتناقضاته هذه خريطة واضحة لكيفية تآكل المصداقية السياسية عبر الزمن، وكيف يمكن لشخص واحد أن يتحول من “شريك للثوار” في أبريل 2019 إلى “عدو للثورة” في أبريل 2025. وهذا التحول الجذري، الموثق بالتصريحات المسجلة والمواقف المعلنة، يشكل درساً مهماً لكل من يريد فهم طبيعة السلطة وتأثيرها على النفس البشرية.
هذا التقرير مُعد بناءً على مصادر إعلامية موثقة وتصريحات مسجلة متاحة على منصات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام الرسمية، بهدف تقديم قراءة موضوعية زمنية للأحداث دون إصدار أحكام مسبقة، تاركاً للقارئ مساحة التفكير والتقييم واستخلاص العبر.



