الأعمدة

بريطانيا ترى بوضوح ولا مواربة أن عودة الإسلاميين لحكم السودان تعني عودة الخراب،

“مسلحون يعتدون على مركز شرطة في دنقلا ويقتلون شرطيا ويحاولون نهب البنك الزراعي”
“تحت تهديد السلاح نهب صاحب محلات الشلال للمجوهرات في شارع الوادي”
“إطلاق نار واشتباكات عنيفة في جنوب الخرطوم”
“عصابة تقتل ضابط برتبة نقيب واثنين من الجنود في جبل أولياء”
“مسلحون يقتحمون سوق في ام درمان القديمة وينهبون المارة”
“مسلح يطلق النار على قسم شرطة أمنتقو ريفي دنقلا العجوز فجر اليوم، ويلوذ بالفرار”
هذا ما استطعت رصده .. من حسابات ” البلابسة” على فسيبوك .. نعم حسابات البلابسة لا غيرها ..
ذات الحسابات التي كانت تتغنى قبل أيام ” بتحرير” الخرطوم وان الحياة فيها عادت لطبيعتها وعلى الناس أن يعودوا الى بيوتهم .. اذا ماذا استجد ولماذا هذا التغيير المفاجئ من حسابات كانت تقول ” الدنيا وردية والخرطوم هي جنة الله في الأرض” الان تروج لحوادث تكشف وبجلاء ان السودان جله إن لم يكن كله ارض غير قابلة للحياة .. ببساطة هذه الحسابات نفسها اذا عدت الى ماقبل الحرب وخلال الفترة الانتقالية كانت تنقل هذا النوع من الاخبار وتزيد عليه.. ” كلنا رايناها في ذلكم الزمان كيف كانت تنشر في فديوهات هجوم تسعة طويلة على المارة في شارع الشهيد مطر وكيف وصل بها الحال ان تكتب خبرا مفاده “39 شابا يغتصبون فتاة في شارع النيل في الخرطوم “وغيرها من الاخبار التي تمهد للحرب الطاحنة التي نعيش فصولها المأساوية اليوم ..
اذا للإجابة على هذا السؤال يجب ان نقرأ التحولات في المشهد، السيناريو هو ذات السيناريو التمهيد لحرب جديدة، المخرج واحد والممثلين هم نفس الممثلين فقط يختلف الهدف.

فمع اقتراب موعد اجتماع (4+2) الذي دعت له الولايات المتحدة الأميركية، والمزمع انعقاده في نهاية الشهر الجاري (ما لم تطرأ مستجدات)، يمكن القول إن الاهتمام به في الأوساط السودانية ينقسم إلى اتجاهين رئيسيين
الأول، اهتمام مشوب بالأمل في إمكانية إيقاف الحرب، يتجلى في سعي دؤوب لإنجاح الاجتماع، وبذل جهود حثيثة للملمة الأطراف، وهذا ما تقوم به القوى المدنية بوضوح، في محاولة لإحداث اختراق في الجدار المسدود
أما الاتجاه الثاني، فهو سعي مشوب بالخوف والذعر، يتمثل في محاولات محمومة لقطع الطريق أمام الاجتماع،باي ثمن حتى لو أدى ذلك إلى إشعال حرب داخل الحرب الحالية. وهذا ما تقوم به بوضوح الحركة الإسلاموية، التي تتحرك في الخفاء، لكنها تترك آثارًا ظاهرة في الإعلام والميدان والقرارات غير المفهومة
فالمتابع الجاد لما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي عبر الحسابات آنفة الذكر، ولما يدور خلف الكواليس، سيدرك أن الإسلاميين يخططون بوضوح لحرب داخل الحرب، هدفها إفشال أي مسار يسعى نحو إنهاء الأزمة
قبل أيام قليلة، شهدنا كيف كانوا يتغنون ببطولات مني أركو مناوي، ويشيدون بتجرد جبريل إبراهيم، ويفخرون بمواقف مصطفى تنمبور، بل ينسجون أساطير عن “القوات المشتركة” ويرددون في بلاهة ” مورال فوق”.
فجأة، بدأت حملة شيطنة مركزة ضد هذه القوات، وتحميلها كل ما هو قبيح، فبدأنا نقرأ ونسمع بيانات “صادرة عن ” مورال فوق تتحدث عن جهات تنتحل صفتها وتقوم بانتهاكات ضد المواطنين”، وهي ذات بيانات الدعم السريع ماقبل اندلاع الحرب الم أقل لكم ان المخرج واحد.
هنا نطرح السؤال بوضوح: ما الذي تغيّر؟ فالمشتركة لا تزال المشتركة، وتنمبور هو تنمبور، ومناوي هو ذات مناوي. إذن ما الذي حدث؟ ما حدث ببساطة هو أن هناك تحركات جادة لإنهاء الحرب وإعادة الاستقرار، وهذه التحركات تتفق جميعها جميعها في نقطة واحدة “لا استقرار ممكن بوجود الإسلاميين في صدارة المشهد”
دول الرباعية – رغم خلافاتها – تتفق على هذه النقطة وبصورة اكثر صلابة بريطانيا ترى بوضوح ولا مواربة أن عودة الإسلاميين تعني عودة الخراب، والواضح أن قطر اتي بها لتقوم بدورها المحبب ” السمسار الذي سيقنع بني كوز بالاكتفاء من الغنيمة بالاياب” .. ولهذا، فإن المخرج يعمل على توليد حرب جديدة داخل الحرب الحالية لقطع الطريق أمام هذا التحرك مثلما تم قطع الطريق أمام الاتفاق الاطاري..
ما حدث في الخرطوم بالأمس ليس عابرًا: نهب تاجر ذهب في أم درمان، اشتباكات في الأزهري، مقتل جنود بينهم ضابط برتبة نقيب… كل ذلك يجب ألا يُقرأ باعتباره أحداثًا معزولة. فالخرطوم، التي يسيطر عليها الجيش منذ قرابة عام، لماذا لم تشهد مثل هذه الحوادث سابقًا؟ ولماذا الآن فقط يُراد القول إنها غير آمنة، بعدما كان الخطاب الرسمي يؤكد عودة الحياة إلى طبيعتها؟
أيضًا، قرار إخلاء المدينة من المظاهر العسكرية دون مشاورة الحركات الحليفة، ألا يعيدنا إلى نفس السيناريو الذي سبق تفجر الحرب مع الدعم السريع؟ المخرج لايبدع أفكارا جديدة وانما يكرر ذات المقاطع
كل الإرهاصات تشير إلى أن الحرب الثانية باتت تنتظر فقط من يطلق الرصاصة الأولى. المسرح أُعد، والأبواق التي ستسوّق جاهزة بل بدأت في البث، والمخرج بات ممسكًا بمفاتيح التحكم لبداية فلم الاكشن الجديد.
ما حدث في الخرطوم وغيرها من المدن خلال الأيام الماضية ليس عرضيًا. نهب، اشتباكات، اغتيالات غامضة — وسط مناطق يُفترض أنها تحت السيطرة الكاملة للجيش منذ عام، وبعضها كان خارج دائرة العمليات لماذا الآن؟
المطلوب إحداث فوضى تضعف أي ثقة في قدرة “تحالف الجيش والحركات” على تثبيت الأمن، المطلوب صناعة مبررات لسيناريو جديد، يعيد رسم التحالفات، ويُقصي من باتوا “عبئًا” على المشروع الإسلاموي
التحرك الإسلاموي لإفشال الاجتماع بأي ثمن لا يأتي من فراغ. إنه تحرك استباقي لمنع ولادة واقع جديد، تُقصى فيه أدوات الحرب، ويُعاد فيه تعريف السلطة على أسس جديدة
المعركة اليوم يجب ان تعرف تعريف جديد فهي لم تعد فقط بين الدعم السريع والجيش، بل بين مشروع يريد إنهاء الحرب، وآخر يرى فيها شرطًا لبقائه
أكرر
الحرب الثانية لم تبدأ بعد، لكنها أقرب مما نتصور، المسرح معد، الجمهور مُعبّأ، ومن يطلق الرصاصة الأولى موجود بيننا الآن وجاهز ينتظر التعليمات من علي كرتي
السؤال ليس إن كنا مستعدين، بل إن كنا شجعانًا بما يكفي لقول الحقيقة قبل أن يفوت الأوان
وبس
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية

زر الذهاب إلى الأعلى