الأعمدة

ود مدني تشهد.. كوبر لا يموت!”


كتب: معاوية أبوالريش
في زمنٍ لم يرحم فيه القدر أحداً، وفي بلدٍ ما زال يلملم جراحه ويلتقط أنفاسه من بين ركام حربٍ لم تُبقِ ولم تذر – في هذا الزمن بالذات – كان على نادي كوبر الرياضي أن يخوض معركته الأصعب. ليس على أرض الملعب فحسب، بل في مواجهة كل ما يعنيه الصمود حين تضيق الأسباب وتتقاطع الأزمات.
السودان الجريح لم تتوقف فيه كرة القدم وحدها، بل توقفت معها أشياء كثيرة. غير أن أندية ورجالاً أبَوا إلا أن يكملوا المشوار، وأن يُثبتوا أن الحياة أقوى من كل ما يحاول إيقافها. كوبر كان واحداً من هؤلاء – نادٍ ظل يقاوم في صمت، ويتدرّب بإمكانات تكاد لا تُذكر، ويحافظ على تماسكه الداخلي حين كان من السهل أن ينهار كل شيء.
وحين حلّت لحظة الحقيقة في ود مدني، ووقف الفريق على حافة الهبوط بكل ما يحمله ذلك من ثقل معنوي لا يُحتمل – لم يتراجع، ولم يرفع الراية البيضاء. بل نزل إلى الملعب وفي عيون لاعبيه بريق يقول: لن ننهار. هدف واحد، نظيف كضمير أبناء كوبر، أسدل الستار على موسم من العذاب، وفتح باباً جديداً لموسمٍ يستحقون فيه شيئاً أجمل.
ثمانية عقود مضت على تأسيس هذا النادي العريق في أحضان الخرطوم بحري. ثمانية عقود من اللاعبين الذين مروا وتركوا بصماتهم، ومن الجماهير التي أحبّت ولم تفارق، ومن المسؤولين الذين حملوا الأمانة في أوقات اليسر والعسر. كل هذا التاريخ كان حاضراً في ود مدني، يدفع في ظهور اللاعبين ويهمس لهم: أنتم لستم وحدكم.
إلى مجلس الإدارة الذي أدار الأزمة بحكمة حين كانت الموارد شحيحة والضغوط ثقيلة، وإلى الجهاز الفني الذي آمن بفريقه حين شكّ فيه كثيرون، وإلى اللاعبين الذين تحمّلوا ما لا يُحتمل وقاتلوا بما لا يكفي – فانتصروا، وإلى جماهير كوبر الصابرة التي لم تُغادر حتى في أحلك اللحظات.
البقاء في الدوري الممتاز هذا الموسم لا يُقاس بالنقاط ولا بالترتيب – يُقاس بحجم ما تجاوزتموه. وما تجاوزه كوبر هذا العام يكفي لأن يُكتب فصلاً مستقلاً في تاريخه المجيد.
كوبر لا يموت.. لأن أبناءه لا يستسلمون!

زر الذهاب إلى الأعلى