في معترك الحياة اليومية، يتعامل الإنسان مع أصناف شتى من البشر، فمنهم من يحمل النقاء في قلبه وتُترجم كلماته صدقًا وأمانة، ومنهم من يرتدي قناع الودّ والترحيب بينما يخبئ خنجر الغدر في خفايا نواياه. وقد اختزلت العبارة الشعبية: “الله يكفينا شر من رحّب وهلّا، ومن ورانا لا بقى ولا خلّى”، تجارب مريرة مرّت بها النفوس الطيبة مع الوجوه المزدوجة.
هذه المقولة ليست مجرد كلمات عابرة، بل هي مرآة لواقع معاش، وصدى لتحذيرات دفينة توارثتها الأجيال. فكم من شخص استقبلك بالبشاشة والابتسامة، وأغرقك بعبارات المديح، بينما هو في السرّ لا يترك لك فضيلة إلا وقلّل منها، ولا موقفًا مشرفًا إلا وحرّفه أو حطّ من قدره.
إنها ازدواجية موجعة: أمامك “هلا وغلا”، وخلفك “لا بقى ولا خلا”. وبين هذين الوجهين، ينكسر جسر الثقة، وتُخذل المروءات. هنا، تتجلّى الحكمة الشعبية، وتُحذّرنا من هؤلاء الذين لا يُؤتمن لهم قلب ولا يُركن إلى ودّهم.
من الخطأ أن نحكم على الناس من مظهرهم أو كلماتهم الأولى. الترحيب الجميل لا يعني دائمًا النوايا الحسنة، فقد أصبح الكذب المغلّف باللباقة عملة رائجة في زمن المجاملات المفرطة.
ومع ذلك، لا يعني هذا أن نشكّ في كل من حولنا، بل أن نكون أكثر وعيًا ويقظة. أن نزن الأشخاص بالأفعال لا بالأقوال، وأن ندعو كما دعا من قبلنا: “اللهم اكفنا شرّ من ابتسم لنا وهو يحمل في صدره سوادًا، ومن صافحنا وقد أخفى الغدر في كفّه.”
وفي النهاية، تظل تلك العبارة الشعبية صوتًا من الحكمة القديمة، يُذكّرنا بأن الطيبة لا تعني السذاجة، وأن الحذر لا ينفي حسن الظن، لكنه يحمي القلب من الانكسارات المتكررة.



