” 

بقلم: المستشار معاوية أبوالريش
في تصريح يكشف عن رعب حقيقي من قرب نهاية الحرب المدمرة، يصرخ الناجي عبدالله مدعياً أن “أمريكا تخطط لمحو دين الله في السودان” هذا التصريح المثير للسخرية لا يأتي من فراغ، بل في توقيت يتزامن مع استعدادات اجتماع الرباعية نهاية هذا الشهر بين أمريكا والسعودية ومصر والإمارات، والذي قد يمهد لسلام دائم في السودان ينهي الحرب العبثية التي قضت على الأخضر واليابس في البلاد.
إن ادعاء “محو الدين” يكشف عن فهم سطحي ومضلل لطبيعة الإيمان، فالدين الحقيقي ليس شعارات تُرفع أو قوانين تُفرض بالقوة، بل هو عقيدة راسخة في القلوب وسلوك يتجلى في العدل والإحسان والصدق. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل يمكن لأي قوة خارجية أن تنتزع الإيمان من قلوب المؤمنين الصادقين في السودان بـ”الاستيكة” كما يوحي منطق هذا التصريح العبثي؟ أم أن هؤلاء يخشون انكشاف زيف ما مارسوه باسم الدين؟
الحقيقة أن الذعر الواضح في تصريحات فلول النظام البائد يكشف عن خوفهم الحقيقي ليس من “محو الدين” – كما يدّعون زوراً وبهتاناً – بل من إيقاف آلة الحرب التي يستفيدون من استمرارها مالياً وسياسياً، ومن خروجهم النهائي من المشهد السياسي السوداني إلى الأبد، وانكشاف دورهم في إشعال هذه الحرب العبثية، وأخيراً من محاسبتهم على جرائمهم ضد الشعب السوداني.
وبينما يتحدث الناجي عبدالله عن “محو الدين”، فإن الواقع يشهد أن فلول النظام البائد – طوال ثلاثة عقود من الحكم وحتى اليوم – قد عاسوا الفساد في السودان وهم من أشعلوا حرباً مدمرة قضت على الأخضر واليابس، وحوّلوا المساجد إلى ثكنات عسكرية ومخازن أسلحة، واستغلوا الدين لتبرير القتل والدمار باسم الجهاد المزعوم.
والفضائح والنماذج الحية من فسادهم كثيرة ومتنوعة: نهبوا مليارات الدولارات من البنك المركزي وشركات البترول والذهب باسم “الاقتصاد الإسلامي”، بينما كان الشعب يعاني من الفقر والجوع. أسسوا شركات وهمية لأقاربهم ومحاسيبهم تحت مسميات “الاستثمار الإسلامي” ونهبوا من خلالها أراضي الدولة وثرواتها. باعوا الأراضي الزراعية الخصبة لمستثمرين أجانب بأسعار بخسة وقسموا الأرباح فيما بينهم. استولوا على منازل وممتلكات المواطنين تحت ذريعة “المصلحة العامة” ووزعوها على أتباعهم. أنشؤوا “بيوت الأشباح” للتعذيب والقتل، وهجّروا ملايين المواطنين من ديارهم في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق باسم “الجهاد”. مارسوا أبشع أساليب التعذيب ضد الطلاب والمثقفين والمعارضين في سجون مثل “كوبر” و”الجنينة” و”بورتسودان”. أشعلوا نيران الفتنة بين أبناء الوطن الواحد وحرضوا القبائل ضد بعضها البعض لتحقيق مكاسب سياسية. حولوا الجامعات إلى مراكز تجنيد عسكري وفكري، ودمروا التعليم والصحة والخدمات الأساسية. استغلوا الحج والعمرة لتبييض الأموال المنهوبة وبناء شبكات فساد إقليمية ودولية.
في المقابل، فإن اجتماع الرباعية المرتقب يمثل بصيص أمل حقيقي يرعب هؤلاء المجرمين، لأنه يحمل فرصة ذهبية لإنهاء الحرب التي دمرت البلاد والعباد، وطريقاً نحو السلام الدائم الذي يتوق إليه الشعب السوداني، وبداية مرحلة جديدة من البناء والتنمية، ونهاية عهد الفوضى والدمار الذي أوجده النظام البائد وفلوله.
لماذا يخاف فلول النظام من السلام؟ السبب بسيط وواضح: السلام يعني نهاية مشروعهم الإجرامي، فهم يعلمون أن السلام سيكشف دورهم في إشعال الحرب، وسيؤدي إلى محاسبتهم على جرائمهم، وسيعيد الحياة الطبيعية للبلاد بعيداً عن فوضاهم، وسيُخرجهم نهائياً من المشهد السياسي.
والتاريخ يشهد أن الإسلام وصل إلى السودان عبر التجار والدعاة المسالمين الذين جسدوا قيم السلام والتسامح والعدل، لم يصل بالسيف أو الحرب، بل بالحكمة والموعظة الحسنة وبالأخلاق الكريمة التي رأى فيها الناس العدل والرحمة والحكمة. وما يمارسه هؤلاء المتاجرون بالدين من تحريض على الحرب والعنف هو نقيض تام لروح الإسلام الحقيقي.
إن ما يسميه الناجي عبدالله “محو الدين” هو في الحقيقة إنهاء استغلال الدين لأغراض سياسية قذرة، وعودة الدين إلى نقائه وصفائه بعيداً عن دجل المنتفعين، وتحرير المساجد والمؤسسات الدينية من قبضة المتاجرين بالعقائد، وإعادة الاعتبار للإسلام الحقيقي القائم على العدل والسلام والرحمة.
إن صرخات الرعب التي يطلقها الناجي عبدالله وأمثاله من فلول النظام البائد تؤكد أن نهايتهم باتت قريبة، ولن تنجح محاولاتهم اليائسة لتأجيج الصراع باسم الدين. فالشعب السوداني الذي عاش وعاين وتضرر من فسادهم وإجرامهم لن ينخدع مجدداً بنفس الخدع والأكاذيب والشعارات المقدسة الزائفة التي روجوا لها طوال عقود. لقد كشف التاريخ زيفهم وفضح ادعاءاتهم، وأدرك الشعب أن هؤلاء الدجالين والمتاجرين باسم الدين لا يهمهم سوى مصالحهم الضيقة وجيوبهم الممتلئة من المال المنهوب.
السودانيون اليوم أكثر وعياً ونضجاً، يعرفون الفرق بين الدين الحقيقي والاستغلال السياسي، بين الإيمان الصادق والنفاق المقنع، بين العبادة الخالصة والمتاجرة بالمقدسات. لن يعود الشعب للوراء، ولن يسمح لهؤلاء المجرمين بخداعه مرة أخرى تحت أي مسمى أو شعار ديني مزيف. السلام قادم لا محالة، والشعب السوداني سينعم بالأمن والاستقرار بعيداً عن دجل هؤلاء المتاجرين بالدين، وسيأتي اليوم الذي يُحاسبون فيه أمام التاريخ والشعب على كل قطرة دم أُريقت وكل دمعة يتيم ذُرفت بسبب طموحاتهم الشيطانية.
السودان سيبقى بلداً مسلماً بإيمان شعبه الصادق، وسيشهد نهضة حقيقية عندما يتخلص من براثن هؤلاء الذين أساؤوا للدين قبل أن يسيئوا للوطن. السلام آت، والعدالة آتية، ومهما حاول هؤلاء الدجالون تأجيل المحاسبة، فإن يوم الحساب قريب، والدين الحقيقي لا يُمحى بالقوة أو التآمر، بل يزداد قوة وانتشاراً عندما يجد من يجسده بصدق وعدل.



