الأعمدة

إذا كان هارون يبحث عن فرصة للعودة، فلتكن عودته أولاً إلى قفص الاتهام. هناك فقط، يمكن أن يسمعه الناس من جديد.

في واحدة من أكثر المقابلات إثارة للغثيان السياسي، يخرج أحمد هارون – المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بتهم إبادة جماعية وجرائم ضد الإنسانية – من مخبئه ليحدثنا، عبر وكالة “رويترز”، عن رؤيته للحكم والسيادة والجيش والديمقراطية، وكأن ماضيه قد تم غسله بماء النسيان، وكأن كوبر لم تكن يوماً زنزانته المكيّفة بإذن من الجنرالات، بل غرفة عمليات سياسية ظل يدير منها بقايا الحزب المخلوع.
أن يتحدث أحمد هارون عن الانتخابات والديمقراطية، هو قمة السخرية السودانية السوداء. فالرجل لم يُعرف يوماً بإيمانه بالاحتكام إلى صناديق الاقتراع إلا إذا كانت صناديق مكدّسة مسبقاً بإرادة “الظل العميق”، أو حين تكون الظروف “ملائمة”، كما قال هو نفسه ذات يوم من داخل السجن الذي هرب منه مع أولى رصاصات الحرب.
اليوم، يظهر لنا هارون بلغة سياسية ناعمة، يتحدث عن “نموذج خاص” لدور الجيش في الحكم، وعن “مرحلة انتقالية” يتولاها العسكريون، وعن انتخابات تمهد لعودة حزبه “عبر الشرعية”. لكنه يتجاهل أنه لا يملك حق العودة إلى المشهد السياسي إلا إذا واجه العدالة أولاً. هذا شرط أوليّ، أخلاقي وقانوني، قبل أن يحدثنا عن صناديق اقتراع لا تعترف بالهاربين.. وهو صاحب العبارة الشهيرة ” أمسح أكسح ما تجيبو حي”.
الحقيقة التي يعلمها أحمد هارون أن الإسلاميين في السودان لم يغادروا الحكم يوماً، بل تواروا خلف “الأجهزة”، واحتفظوا بمواقعهم داخل البيروقراطية والجيش والمخابرات. ومنحهم انقلاب البرهان في أكتوبر 2021 نافذة لإعادة التغلغل، ومكنهم من إعادة هندسة التحالفات، ثم اشعلوا الحرب ليكونوا مقاتلين، ويتحولوا من سجناء إلى قادة ميدانيين وهي لعبتهم المفضلة ضع الناس بين خياري يا نحن يا الفوضى.
تشير وثيقة اطلعت عليها رويترز إلى أن الإسلاميين دفعوا بين 2000 و5000 مقاتل للقتال إلى جانب الجيش، وهو رقم قد يبدو مفاجئاً للبعض، لكنه متوقع لمن تابع كيف جرى تحويل “قوات الدفاع الشعبي” السابقة إلى وحدات ميدانية باسم جديد: البراء بن مالك، وكتائب أخرى تحظى بتوجيه وتمويل وتسليح ضمنيًا من المؤسسة العسكرية ويؤكد كيف انهم استعدوالهذه الحرب منذ ليلة الاطاحة بعمر البشير.
هذه ليست شراكة عرضية بين الإسلاميين والجيش، بل هي تحالف قائم على المصالح المتبادلة. الجيش يحتاج إلى من يحافظ له على مصالحه، والحركة الإسلامية بحاجة إلى شرعية ميدانية تتيح لها أن تطرق أبواب الحكم مجددًا.
لكن الأمر أخطر من ذلك.
عودة الإسلاميين، بهذا الشكل، تعني بوضوح اختطاف آخر لما تبقى من أحلام الثورة السودانية. تعني رهن السودان مجددًا لتحالف المال والدين والسلاح. تعني الالتفاف الكامل على التضحيات التي قدمها الشعب منذ ديسمبر 2018 وحتى اليوم.
إن حديث أحمد هارون عن ضرورة وجود الجيش في الحكم ليس فكرة جديدة. هو امتداد للذهنية التي حكمت السودان طوال ثلاثين عامًا، والتي جعلت من الجيش مظلة سياسية، ومن الأمن سلطة عليا، ومن الدولة غنيمة يتقاسمها الصف الإسلامي.
ولعل أكثر ما يثير الغضب في المقابلة هو أن هارون لا يزال يعتقد أنه في موقع من يضع الشروط، رغم أنه هارب من العدالة الدولية. كان عليه أن يفتتح حديثه باعتذار علني لعائلات ضحايا دارفور الذين لا تزال رفاتهم تنتظر محاسبة عادلة. كان عليه أن ينهي حديثه بتأكيد استعداده لتسليم نفسه للمحكمة الجنائية، لا أن يقترح علينا استفتاء لاختيار ضابط جديد للحكم.
إن كوبر – ذلك السجن الذي حوّله الإسلاميون إلى مركز نفوذ – جاهز لاستقبال أحمد هارون. فإن كان يؤمن حقًا بما يقول، فعليه أن يبدأ من هناك. من حيث يجب أن يبدأ كل هارب: مواجهة العدالة.
أما محاولاته تلميع “عودة انتخابية” لحزب المؤتمر الوطني، فهي محاولة ساذجة. لأن ذاكرة السودانيين أقوى من أن تُخدَع بعبارات “الاستقرار”، و”الجيش الضامن”، و”الانتخابات المؤمنة”. من قتل الناس بالأمس لا يملك شرعية الحديث عن صندوق الاقتراع اليوم.
قد يكون الجيش اليوم في موقف يتيح له فرض أمر واقع، لكن الواقع لا يدوم، والتاريخ لا ينسى. ولن يفلح الإسلاميون، مهما قاتلوا، في إقناع هذا الشعب بأنهم المنقذون من الحرب التي ساهموا هم أنفسهم في إشعالها.
وإذا كان هارون يبحث عن فرصة للعودة، فلتكن عودته أولاً إلى قفص الاتهام. هناك فقط، يمكن أن يسمعه الناس من جديد.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية

زر الذهاب إلى الأعلى