أحمل ساطورك، وأرسل نظراتك الملتهبة إلى كل رأس يبرز من بين الرؤوس، وقم بتطييره من بين كتفيه دون أن يرمش لك جفن!
تحت الغيم
عبدالباسط شاطرابي
الأدغال!
أحمل ساطورك، وأرسل نظراتك الملتهبة إلى كل رأس يبرز من بين الرؤوس، وقم بتطييره من بين كتفيه دون أن يرمش لك جفن!
أسلوب يتفشى في زمن الأوبئة النفسية، يتأجج بقوة في وسائط التواصل الاجتماعي، ليصبح كل من يتجرأ برفع رأسه، بفكرة أو برأي أو بمشاركة، يستعيذ بالله ثلاثاً قبل أن أن ينفذ ما تحدثه نفسه به!
في الخرطوم الغابرة، أيام الفتوّات ونجوم المشاجرات قرب بعض السينمات وأماكن وجود الشباب.. كان أولئك يبطشون بمن يختارونهم، فيشبعونهم صفعاً ولكماً، دون أي سبب، وقد يصادرون ساعاتهم التي كانت من أميز زينات الشباب، أو يسلبون جنيهاتهم الشحيحة.
مشهدنا الحالي صار له فتوّاته الجدد، والبطش بات حالة قد لا يسلم منها أحد، ليس في جسده وماله فقط، ولكن في كل ما يخصه وينتمي إليه.
هكذا هي الحالة، فعندما يكثر الاتهام بالسوء، والوصف بالخيانة، والرمي بالبعد عن الوطنية، والتعريض بالذمم والأهل والعِرق والماضي، والنبش في الخصوصية، هنا يصبح الأمر ليس مجرد بطش ينتهي بصفعة أو لكمة، لكنه قتل للشخصية، وتحجيم للريادة، وذبح للفكرة، وإهدار للطاقات، وتكسير للمجاديف، ونفخ في كير الفتن.
مواقع التواصل الاجتماعي هي مكان الازدحام الآن، لذا يجد فيها أصحاب السواطير ما يشتهون، فيرون أن فلاناً قد تم تعيينه في منصب كذا، فترتفع سواطيرهم للقيام بواجبها، ويقرأون أن آخر قد كتب رأيه في ظاهرة أو مشكلة أو معايشة، فيبحلقون في رأسه لا لحلاقته بل لبتره وإطاحته من جذوره!
إنهم يجولون في المواقع المتنوعة، يشحذون سكاكينهم وسواطيرهم، ليقوموا بذلك الواجب الشهي، لا يستثنون وسيلة، يقبعون في مقاطع الفيديو، والمساحات الإلكترونية، ومقاطع الصوت، والبث الحي المباشر، ويتربصون بالرائح والغادي، لنصبح أمام أعاصير من التعريض والتحريض والإساءة والأكاذيب.. وصولاً للبذاءة في أجلى صورها!
لا نحتاج ساحراً يعيد حبس العفاريت في القماقم، فتلك منازلة مع طواحين الهواء. ما نحتاجه هو تربية جديدة، يتعلم فيها النشء من البيت، ومن مناهج الدراسة، أن وسائل التواصل الاجتماعي ليست ساحات عدوان على الآخرين، وأنها نعمة فقدها أجيال وأجيال من الآباء والأجداد.. جدير بنا أن نصونها، بعد أن أتاحتها التقنية منابر للخير والعطاء والفكر، ومكاناً للاتفاق أو الاختلاف في الرأي بأدب وأخلاق واحترام.
نقوم بتعليم النشء ذلك، كما نردع شهوات التعدي، بالقوانين الحازمة، والتنوير بالعقوبات، ليعرف الجميع مواقع أقدامهم.
زبدة القول: من كانت تحدثه نفسه بأي مبادرة، أو بأي مشاركة في منصة عامة، عليه أن يمعن النظر ويدرك أن ثمة سواطير تنتظر بروز رأسه.
سلمت رؤوسكم من كل شر.
منطق:
– قروشك كثيرة بسبب عوائد التيك توك واليوتيوب.
– لا، أنا لا أكسب من تلك المواقع.
– طيب، من أين تأكل عيشك؟
– من الفرن يا حبيب!



