
بقلم: نفيسة حجر
بقلبٍ يقطر وجعاً، وبمرارةٍ سدّت حلق الكلام، أقف اليوم أمام فاجعة الأخ مبارك قمر الدين. ليس الحزنُ هنا مجرد دمعة، بل هو انكسارٌ لروح كل سوداني رأى في هذا المسن أباه أو أخاه. إنها غصة لا ترحم، أن يموت “عزيز قومٍ” وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة غريباً وحيداً، في زنزانةٍ ضيقة لا تسمع فيها إلا صرير الأبواب الحديدية وصمت الضمائر الميتة التي استمرأت استرخاص أرواحنا.
مات الأخ مبارك وهو يمسك بـ كيس خبزه في يده وهو عنوان كرامته وعزة نفسه التي لم تنحنِ للغربة ويحمل أوراقه القانونية في جيبه، لكن في بلدٍ تفتقر منظومته لأدنى معايير الإنسانية، لم يشفع له رغيفه ولا قانونه. لا عجب أن يلقى هذا المصير في “قسم الشروق”، فالسلطة التي لا تقيم وزناً لكرامة ابن جلدتها وتترك معارضيها يلفظون أنفاسهم في الزنازين، لن تفتح ذراعها بالرحمة لغريب.
نحن أمام آلة أمنية صماء، ترى في “السوداني” اليوم هدفاً سهلاً للتنكيل تحت ذريعة “تطبيق القانون”، بينما القانون نفسه يُنحر على عتبات مراكز التوقيف.
إن الشعارات التي يتشدق بها المسؤولون في المحافل الدولية حول “حقوق الإنسان” تسقط صريعة أمام واقع مرير فعندما يُترك رجل في السابعة والستين، مريض كلى وسكري، لـ 9 أيام بلا دواء حتى تفيض روحه، فإننا نتحدث عن جريمة قتل عمد بالإهمال. إنها منظومة تفتقر للإنسانية، تعتبر موت “سوداني مريض” مجرد عبء إداري تم التخلص منه، ضاربةً عرض الحائط باتفاقية جنيف وكل الأعراف الأخلاقية التي تفرض حماية اللاجئين والضعفاء.
وإذا كانت القسوة سمة “الجار” الذي استبيح في ظله دم الإنسان، فإن “الهوان” هو وصمة عار على جبين “الدار”. إن دماء الأخ مبارك معلقة في رقبة الحكومة السودانية وسفارتها في القاهرة؛ تلك السفارة التي تحولت إلى “مكتب جباية” يرى مواطنيه يُساقون للمقابر ولا يحرك ساكناً. كيف يجرؤ أي نظام على الاستهوان بكرامة السوداني لو وجد خلفه دولة تزمجر لحماية رعاياها؟ إن صمت السلطة السودانية على إهانة وموت أبنائها في المنافي، هو الذي شرع الأبواب لاستباحة شعبٍ صار اليوم ذليلاً بفعل خذلان حكامه قبل قسوة جيرانه.
المشهد كان شديد القهر فالأخ مبارك، أوراقه في جيبه تثبت “قانونيته”، وكيس خبزه في يده يثبت “كرامته”، وجسده المنهك يصرخ “ارحموني”.. لكن في بلدٍ صُمّت فيه الآذان، لا صوت يعلو فوق صوت القفل الحديدي. مات مبارك قمر الدين ليقول لنا: إن المنافي التي تفتقد للرقابة الأخلاقية والقانونية هي مقابر جماعية مؤجلة، طالما أن “وطننا” صار مجرد ذكرى في جواز سفر لا يحمي حتى حامله من الموت قهراً.
لن نجمل القبح فالحكومة المصرية التي قست على بني جلدتها لن ترحم غريباً، والحكومة السودانية التي شردت شعبها لن تشتري كرامته في الخارج. الرحمة للأخ مبارك قمر الدين، والخزي لكل يدٍ غلقت الزنزانة على مريض، ولكل لسانٍ صمت عن هذا الظلم البواح.



