الأعمدة

كنا نخشى” الصوملة “.. ولكن من شاكلة من يجب ان نخاف الان !

عقب سقوط حكم الرئيس الصومالي الراحل الجنرال محمد سياد بري.. حدثت انقسامات أفقية على المستوى القبلي والجغرافي و انشقاقات عمودية على النطاق السياسي حيث نشأت حكومتان في العاصمة مقديشو شكلهما كبار أمراء الحرب التي استغرقت سنوات عجافا في ذلك البلد الفقير المطل على المحيط الهندي.
فشكل الجنرال محمد فارح عيديد إحدى الحكومتين بينما شكل علي مهدي محمد الاخرى فاستعرت الحرب هناك على مختلف الجبهات وصاحب ذلك اعلان قيام ما يسمى بجمهورية ارض الصومال لتعلن إنسلاخها عن تراب البلاد واستقلالها الذاتي المنقوص بعدم الإعتراف الإقليمي والدولي .
وأصبحت الفوضى الطاحنة هي الحاكمة إلى درجة دخول القوات الأمريكية على الخط بدعوى إرساء الأمن والنظام هناك ولكن الصوماليون رغم ذلك التشاكس رفضوا مجتمعين وجود الأجانب بينهم وطردوهم في مشاهد مذلة وصادمة ..لان عناصر التوحد كلها متوفرة في ذلك الشعب فهم كلهم مسلمون على الاقل وربما لغتهم واحدة ومع تنوعهم القبلي لكنهم يشكلون ما يشبه القومية الواحدة .
الآن الصومال بعد كل تلك الجراحات تمضي إلى التعافي متجاوزة كل
ماضيها الدامي وضعفها الاقتصادي وتمزق لحمتها السياسية .
وتحاول أن تدفع بسواعدها كل التدخلات الأجنبية إلا ما يتعلق بتبادل المصالح المشتركة كتاجير الموانئ أو التعاون العسكري المطلوب بعد أن طال جيشها التفكك نتيجة تلك الحروب ذات الطابع القبلي والجهوي.
صحيح أن حركة الشباب الإسلامية المتشددة والمدعومة من تنظيمات إرهابية من خارج الحدود ما زالت تنشط بين الفينة والفينة مما تطلب بقاء قوات حفظ السلام الأفريقية لتتمركز في البلاد لبعض الوقت .

مناسبة هذه الرمية هي تشكيل حكومة تحالف تأسيس والدعم السريع و الحركة الشعبية شمال بقيادة عبد العزيز الحلو وبعض الحركات المسلحة المنشقة وهي الحكومة التي انطلقت من نيروبي نحو نيالا كمقر لها .
وهو ما أعاد إلى الأذهان التفكير في خطورة مثل هذا التوجه دون مراعاة مثل النموذج اعلاه و ما يحدث في ليبيا واليمن وكما كان سائدا في سوريا إلى وقت قريب دون الأخذ بالعبر والعظات وعدم الاستفادة من التبصر في عاقبة ذلك النهج الذي لم يأت الا بالمزيد من التفتيت وإطالة عمر الأزمات لا حلها و التي لن تحلها التدخلات الخارجية لوجه الله ودون ضمان مصالحها ولو كانت تعلو على مصالحنا .
صحيح تركيبة كل شعب قد تختلف عن الاخرى في كل تلك الدول و طبيعة المشاكل التي أدت إلى اشتعال الحرائق فيها تختلف كثيرا في التداعيات ولكنها قد تلتقي في النهايات ذات الجراحات المؤلمة أو علاج الكي .
بيد أن الحقيقة المرة أن الوضع في بلادنا هو الأكثر خطورة وتعقيدا عن تلك البلاد بحكم الاختلافات السياسية العميقة و تناسل التشكيلات العسكرية التي طعنت في كينونة الجيش الذي يكافح لإثبات العكس ..إضافة إلى ما كشفت عنه هذه الحرب من تفكك اجتماعي أفضى إلى حد كبير وللاسف الى أن يطل الصراع العنصري و خطاب الكراهية برأسيهما لتشويه المشهد فوق ما هو من قبح و كذلك التمترس الجهوي والقبلي متمثلا في تحريض البعض على طرد من هم قادمون من خارج مناطقهم وهم سودانيون أبا عن جد .
هذا بخلاف عدم تنظيم الوجود الأجنبي المقيم دون ضوابط ..وكثير من العناصر غير ما ذكرناه لتأكيد خطورة ما تعانيه بلادنا المنكوبة بنا وبغيرنا ولكن أيضا هم في المشهد بسببنا لأننا هيأنا لهم الملعب ليصولوا ويجولوا .
حقا لقد كنا نخشى ( الصوملة) ولكن الذي يجب أن نخشاه الآن هو حقا اضعاف اضعاف اضعاف تلك المخاوف .
والله المستعان

زر الذهاب إلى الأعلى