بقلم: المستشار معاوية أبوالريش
في خضم الجهود الدولية المحمومة لوقف الحرب المدمرة في السودان، تبرز مفارقة صارخة في الموقف المصري من الأزمة السودانية تكشف عن حسابات اقتصادية واستراتيجية معقدة تجعل القاهرة تستفيد بشكل استثنائي من استمرار الصراع الدائر في الخرطوم. فبينما تؤكد التقارير الدبلوماسية أن مصر تُصر على ضرورة مشاركة ممثلين عن الجيش السوداني في اجتماعات الرباعية المرتقبة في واشنطن نهاية يوليو 2025، تشير المعطيات الاقتصادية إلى أن هذا الإصرار ليس مجرد موقف سياسي، بل استراتيجية محكمة لحماية مصالح اقتصادية ضخمة تحققها مصر من المأساة السودانية ومن بقاء الجنرال البرهان في السلطة.
رغم إدراك القيادة المصرية التام لحقيقة أن جماعة الإخوان المسلمين هي من تقف خلف الجنرال البرهان وتقود البلاد من خلف الكواليس، إلا أن حساباتها الاقتصادية تجعلها تفضل استمرار هذا الوضع. فالبرهان يقدم موارد السودان ومنتجاته على طبق من ذهب لمصر، وهو ما يفسر إصرار القاهرة على بقائه في السلطة. فتقديرات القيادة المصرية تؤكد أن استمرار البرهان على رأس السلطة في السودان سوف يحقق لها مكاسب اقتصادية هائلة تبرر التعامل مع هذا التناقض الأيديولوجي. كما أن مصر لا تريد حكماً ديمقراطياً مدنياً في السودان، خوفاً من أن تنتقل عدوى الديمقراطية إلى مصر وتهدد نظام الحكم القائم فيها.
تُعد مياه النيل أهم المكاسب التي تجنيها مصر من استمرار الصراع السوداني. فبموجب اتفاقية تقاسم مياه النيل لعام 1959 بين مصر والسودان، تحصل مصر على 55 مليار متر مكعب سنوياً مقابل 18 مليار متر مكعب للسودان. لكن الحرب المدمرة حرمت السودان من الاستفادة القصوى من حصته المائية، حيث دُمرت محطات الضخ والشبكات المائية ومشاريع الري، مما يعني أن مصر تستفيد من مياه إضافية كانت مخصصة للاستخدام السوداني. وفي ظل شكوى مصر من شحّ مائي وتصدرها قائمة الدول الأكثر جفافاً بأقل معدل لهطول الأمطار في العالم، واعتمادها بشكل أساسي على مياه النيل بنسبة 98% من مواردها المائية، تصبح هذه المياه الإضافية ذات قيمة استراتيجية وكفاءة حيوية لمصر.
استقبلت مصر أكثر من 1.5 مليون سوداني ممن اضطروا للفرار من أسوأ أزمة إنسانية في العالم حاليًا هرباً من جحيم الحرب، وهو العدد الأكبر مقارنة بأي دولة أخرى، بما في ذلك حوالي 670,000 لاجئ سوداني مسجل لدى المفوضية. هذا بالإضافة إلى ما لا يقل عن خمسة ملايين سوداني كانوا مقيمين في مصر قبل اندلاع الحرب، مما يعني أن إجمالي عدد السودانيين في مصر يتجاوز 6.5 مليون شخص، وهو رقم ضخم يمثل حوالي 6% من إجمالي سكان مصر. وهؤلاء اللاجئون والمقيمون السودانيون، الذين يزيد عددهم عن 6.5 مليون شخص، يتلقون تحويلات بنكية بالعملة الحرة من أهلهم وذويهم في الكثير من الدول العربية والأوروبية وأمريكا، وهذا دون شك يدخل إلى مصر عملة صعبة بمليارات الدولارات سنوياً. كما تستفيد حكومة السيسي أيضاً من اللاجئين السودانيين الذين تقدموا بطلبات لجوء لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بالقاهرة، حيث هناك أعداد كبيرة من السودانيين المقيمين في مصر قد تقدموا بطلبات لجوء، وتحصل الحكومة المصرية على نسبة كبيرة من المبالغ الدولارية التي تمنحها المفوضية لهؤلاء اللاجئين شهرياً كرسوم ومصروفات إدارية وخدمات. وبعملية حسابية بسيطة، فلو كل واحد أو أسرة من الأسر السودانية المقيمة في مصر تتلقى شهرياً مساعدات بقيمة 200 دولار أمريكي فقط، فإن القاهرة تتلقي شهرياً ما يزيد عن مليار دولار أمريكي يدخل خزانة الدولة المصرية. هذا يتماشى مع الارتفاع الملحوظ في تحويلات العاملين بالخارج إلى مصر، حيث سجلت تحويلات المصريين العاملين بالخارج طفرة ملحوظة خلال الفترة من يوليو 2024 إلى مايو 2025، لتصل إلى 32.8 مليار دولار، وجزء كبير من هذه الزيادة تعزى إلى التحويلات السودانية.
تستفيد مصر بشكل كبير من الحصول على المنتجات الزراعية والثروة الحيوانية السودانية بأسعار مخفضة جداً نتيجة انهيار الاقتصاد السوداني وتسهيلات البرهان في تصدير هذه المنتجات. النظام العسكري الحالي في السودان يقدم تسهيلات استثنائية لمصر في الحصول على هذه الموارد بأقل التكاليف، حيث تتم عمليات تهريب واسعة للذهب السوداني إلى مصر عبر الطريق البري الذي يربط البلدين بعلم ومباركة السلطات السودانية، ويتم بيعه بأسعار السوق العالمية مما يحقق أرباحاً طائلة. هذا النظام المتساهل في التعامل مع الموارد السودانية هو ما يجعل مصر حريصة على استمرار البرهان في السلطة، حيث أن أي حكومة مدنية منتخبة ستكون أكثر حرصاً على حماية الموارد السودانية ومنع تهريبها. علاوة على ذلك، تقوم مصر بإعادة إنتاج وتصدير الكثير من المنتجات السودانية للخارج تحت علامة “صنع في مصر”، مما يضاعف قيمتها التجارية ويحقق عوائد كبيرة للاقتصاد المصري. وقد شهدت الشركات المصرية توسعاً في استثماراتها الزراعية في السودان قبل الحرب من خلال شركات مثل الشركة المصرية السودانية للتنمية والاستثمارات المتعددة التي تأسست في أبريل 2021 برأس مال 500 مليون جنيه بمساهمة مصرية 60%، والآن تستفيد مصر من هذه الاستثمارات بتكلفة أقل بكثير نتيجة الحرب.
يدفع أكثر من 6.5 مليون سوداني مقيم في مصر (بين مقيمين سابقين ونازحين جدد) مليارات الجنيهات سنوياً كإيجارات للمساكن، إضافة إلى رسوم التأشيرات وتصاريح الإقامة. هذا الدخل الثابت يساهم بشكل مباشر في تحسين وضع ميزان المدفوعات المصري ويوفر سيولة نقدية مهمة للاقتصاد المحلي. كما أن هذا العدد الهائل من السكان الإضافيين يخلق طلباً مستمراً على السلع والخدمات المصرية، مما ينعش السوق المحلي ويزيد من حركة التجارة الداخلية.
تحتل مصر مكانة متقدمة في مجال السياحة العلاجية عالمياً، وتستفيد بشكل كبير من تدفق السودانيين الذين يحتاجون للعلاج الطبي. فمع انهيار النظام الصحي في السودان بسبب الحرب، يضطر الكثير من السودانيين للسفر إلى مصر للعلاج، مما يدر عوائد ضخمة على القطاع الطبي المصري. تمتاز مصر بتكلفة العلاج المنخفضة مقارنة بالدول الأخرى، مما يجعلها وجهة ميسورة التكلفة للسودانيين الباحثين عن العلاج، وفي الوقت نفسه تحقق أرباحاً معتبرة للمستشفيات والعيادات المصرية.
مع تدهور الوضع الاقتصادي في السودان، تحصل مصر على عمالة سودانية رخيصة ومهارة عالية في مختلف القطاعات من أكثر من 6.5 مليون سوداني. فالكوادر السودانية المتعلمة والمهنية تعمل في مصر بأجور أقل بكثير من نظيراتها المصرية، مما يوفر للاقتصاد المصري يداً عاملة ماهرة بتكلفة منخفضة. هذا الأمر يشمل الأطباء والمهندسين والمعلمين والعمال المهرة الذين يساهمون في النشاط الاقتصادي المصري بشكل كبير مقابل عوائد أقل، خاصة مع الظروف الصعبة التي دفعت ملايين السودانيين الجدد للفرار من جحيم الحرب والبحث عن لقمة العيش في مصر.
في ضوء هذه المكاسب الاقتصادية الهائلة، يصبح الموقف المصري من اجتماعات الرباعية في واشنطن أكثر وضوحاً. مصر تدرك أن النظام العسكري بقيادة البرهان هو الضامن الوحيد لاستمرار هذه المكاسب، حيث أن أي حكومة مدنية منتخبة ستكون أكثر حرصاً على الموارد السودانية وأقل تساهلاً في التعامل مع مصر. كما أن مصر تخشى من انتشار النموذج الديمقراطي في السودان وتأثيره على الشارع المصري، خاصة بعد تجربة ثورة ديسمبر السودانية التي أطاحت بالبشير، والتي قد تلهم المصريين للمطالبة بتغيير مماثل. تُعقد “الرباعية” الدولية، والتي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر، اجتماعا في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 29 يوليو الحالي، وقد كشف دبلوماسي غربي عن خلافات داخلية بين الدول المشاركة في اجتماعات اللجنة الرباعية حول السودان، والتي كان من المقرر عقدها قريبًا في العاصمة الأمريكية واشنطن، بسبب تباين المواقف تجاه مشاركة الأطراف السودانية في الحوار. أوضح الدبلوماسي، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته، أن إصرار القاهرة على ضرورة مشاركة ممثلين عن الجيش السوداني أدى إلى تأخير عقد الاجتماع، وفي المقابل، أكد المصدر أن واشنطن ترفض مشاركة القادة العسكريين في الاجتماع، خاصة بعد فرضها عقوبات على عدد منهم.
تشير جميع المؤشرات إلى أن مصر تحقق مكاسب اقتصادية واستراتيجية هائلة من استمرار الحرب في السودان، تتراوح قيمتها بمليارات الدولارات سنوياً، والأهم من ذلك أن البرهان هو من يضمن استمرار هذه المكاسب من خلال تسهيل وصول مصر إلى الموارد السودانية بأقل التكاليف وبلا قيود تذكر. هذه المكاسب تشمل الاستفادة من حصة السودان غير المستغلة من مياه النيل، والحصول على تحويلات مالية ضخمة من اللاجئين السودانيين، ونهب الموارد السودانية بأسعار مخفضة، إضافة إلى العوائد من الإيجارات والتأشيرات، والاستفادة من السياحة العلاجية، والحصول على عمالة ماهرة بأسعار منخفضة. في ظل هذه المعادلة المعقدة، يصبح إصرار مصر على مشاركة ممثلين عن الجيش السوداني في اجتماعات واشنطن مفهوماً تماماً، فالقاهرة تدرك أن أي حل سياسي حقيقي يؤدي إلى حكم مدني ديمقراطي قد ينهي هذه المكاسب الاقتصادية الاستثنائية، ويشكل خطراً على استقرار النظام المصري ذاته. لذلك، تسعى مصر للحفاظ على الوضع الراهن من خلال ضمان بقاء الجنرال البرهان في السلطة، الذي يقدم لها موارد السودان على طبق من ذهب، حتى لو كان ذلك على حساب معاناة الشعب السوداني ودماء الأبرياء. وهكذا تكشف الأزمة السودانية عن وجه آخر للسياسة الإقليمية، حيث تتحول المآسي الإنسانية إلى فرص اقتصادية، والحروب إلى استثمارات مربحة، في دورة مأساوية تجعل السلام عدواً للمصالح الاقتصادية للقوى الإقليمية، والقاهرة تراهن على دماء السودانيين لتحقيق مكاسبها الاستراتيجية.



