بقلم ؛ عبدالعزيز يعقوب- فلادليفيا
ayagoub@gmail.com
٢٧ يوليو٢٠٢٥
بالأمس ، افتقدت أم درمان وجهًا من وجوهها المضيئة، ورمزًا من رموزها التربوية والثقافية، برحيل الأستاذ عيسى السراج، الذي ظل طوال عمره مشعلًا يضيء للناس دروبهم، ومأوى للحائرين من الطلاب والأسر، وصوتًا نقيًا يصدح في المنابر الثقافية والرياضية والأدبية، لا ليأخذ المجد، بل ليمنحه للآخرين.
التقيته لأول مرة منتصف الثمانينيات، حين جمعتنا مدرسة المستقبل المتوسطة، حيث عملتُ معه متطوعًا براتب، قبل مغادرتي للدراسة في الهند. هناك، لم يكن مكتبه مجرد حجرة إدارية، بل فضاءً اجتماعيًّا وإنسانيًّا، يقصده الآباء والأمهات طلبًا للمشورة أو العون، ويقصده أعيان الحي وأدباؤه ورموزه، بحثًا عن دفء الحكايات وصدق الرأي.
كان مهمومًا بأحوال الناس، موهوبًا في قضاء حوائجهم، يحمل همّ التعليم كقضية وجود، ويؤمن بأن الشباب هم زاد الوطن ومصدر رجائه، إذا أُتيح لهم الإرشاد والرعاية، وانفتحت أمامهم السبل لاكتشاف ذواتهم ومواهبهم.
تواصل العمل بيننا في أروقة المكتب الثقافي لرابطة أبوروف، الذي كان يرأسه، وينوب عنه الإعلامي اللامع الأستاذ محمد عباس سعد، صاحب برنامج “عالم الرياضة” في الإذاعة السودانية. وقد أسسنا أول دورة ثقافية للفرق الرياضية للناشئين في الرابطة وفي منطقة أم درمان الكبرى، وتم اختيار ليالي شهر رمضان، حيث يتوقف النشاط الرياضي، فخصصنا دورات تنافسية وليالي ثقافية للتنافس الثقافي، حملت الدورة الأولى اسم الشاعر والفنان خالد أبوالروس، والثانية اسم الأديب الشاعر محمد بشير عتيق. تلك الأمسيات لم تكن مجرد فعاليات، بل منصات نبضت فيها مواهب واعدة، واكتُشفت طاقات صوتية وفنية، وسُجّلت فيها لحظات توثيقية خالدة تليق بعطاء أولئك الرموز. تمت كل هذه النشاطات بدعم وأفكار وإسناد الأستاذ عيسى السراج.
كان الأستاذ عيسى من أبناء أسرة آل السراج، التي كرّست نفسها لتأسيس المدارس الأهلية وتطوير التعليم بالعون الذاتي في السودان، فأتاحت التعليم لمن حالت ظروفهم دون الدراسة في مدارس الدولة، مؤمنًا بأن الفرصة قد تغيّر مصيرًا، وأن المعرفة ليست حكرًا على أحد. لم تكن قضية التعليم مكسبًا ماديًّا، لكنها كانت رؤيةً وإلهامًا وهدفًا وصدقة.
ظل الأستاذ عيسى السراج طوال فترة الحرب الأخيرة موجودًا بأم درمان، يساهم مع الآخرين في تفقد أحوال الناس، وعمل التكايا، وآخرها كانت أعمال النظافة وإصحاح البيئة، ونظافة وفتح مسجد الزريبة.
برحيله، فقدنا في أبوروف علمًا يصعب تكراره، وشخصية جامعة قلّ نظيرها؛ فكان المربي والكاتب، الراعي الثقافي، والمرشد الأكاديمي، والأخ الكريم، والجار الصالح، والإنسان الممتلئ رحمةً وذوقًا وتواضعًا.
نسأل الله أن يغمره بفيض رحمته، ويجعله في عليين مع من أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
خالص التعازي لإخوته: الأستاذ سعيد، وموسى، وآدم، ونوح، ولعموم أسرة آل السراج الممتدة، ولكل أهل أبوروف.
إنا لله وإنا إليه راجعون



