بيان الخارجية السودانية فزعة مراهق يخشى على سلطته، أكثر من كونه تمسكًا بمبدأ أو حفاظًا على وحدة البلاد.
يمة يمة، دسي كروك عشان أقولها يابت أم كرو"..
عبارة مأثورة في روايات الحبوبات، كثيرًا ما تُستحضر حينما يعير أحدهم الآخر بما فيه. قصة الفتاة التي تشاجرت مع غريمتها، وأرادت أن تشتمها لأن والدتها مصابة بـ”الكُرو” — ولغير الناطقين بها الكرو هو “عوارة” في منتصف الساق — لكنها ما إن همّت بتوجيه السُبة حتى تذكّرت أن والدتها هي الأخرى تعاني من نفس الكرو، فصاحت قبل الشتيمة: “يمة، دسي كروك عشان اقوليها يابت أم كرو!”
وهكذا، لا تزال تلك الحكاية الشعبية أصدق تعبير عن مشهد السياسة السودانية الراهن، خصوصًا حين صدر بيان وزارة الخارجية المنصّبة في بورتسودان، التي تدعو فيه العالم إلى “عدم الاعتراف” بالحكومة التي أُعلن عنها في نيالا. الوزارة التي خرج بيانها بصوت مرتفع، كمن يصرخ في وادٍ سحيق، تطالب العالم بألا يلتفت إلى حكومة أخرى، بينما لم يلتفت العالم إليها هي أصلًا.
أيعقل أن تطالب وزارة لم تعترف بها الأمم المتحدة، ولا تزال غالبية دول العالم تتعامل بتحفّظ مع ممثليها، أن تُملي على العالم من يجب عليه الاعتراف به أو رفضه؟! أليس من الأجدر أن تبدأ بنفسها، أن تقول للعالم: “يا عالم، اعترفوا بنا نحن أولاً، ثم نحدثكم عن الحكومات غير الشرعية”؟!
مشهد وزارة الخارجية وهي تندّد بقيام حكومة نيالا، يشبه تمامًا بنت “أم كُرو” التي تحاول أن تسخر من الأخرى، متناسية أن ذات “الكرو” يلمّ ساق أمها. فالحكومة التي تدير بورتسودان اليوم، لا تملك شرعية صناديق ولا تفويض شعب، وتعجز حتى عن عقد مؤتمر صحفي في عاصمة البلاد. حكومة تعيش على فتات المانحين، وتستجدي لقاءات السفراء، وتوزّع البيانات في بريدٍ إلكتروني مغلق.
والمفارقة أن البيان الغاضب الذي صدر، لم يأتِ في سياق توضيح موقف دبلوماسي ناضج، بل بدا أقرب إلى “فزعة مراهق” يخشى على سلطته، أكثر من كونه تمسكًا بمبدأ أو حفاظًا على وحدة البلاد.
نحن إذن أمام حكومتين، كلٌ منهما تنظر للأخرى من ذات العدسة المعطوبة. وكلٌ تصف الأخرى بأنها انقلابية، غير شرعية، مفروضة بقوة السلاح، بينما تتجاهل أنها تحمل الصفات ذاتها. حكومتان تتشاكسان على خراب وطن، وتتصارعان على تمثيل شعب تمزق، وأرض احترقت، ومؤسسات انهارت، وكأنما المعركة ليست حول إعادة البناء، بل حول من يحكم الركام.
في الحقيقة، لم يعد في الأمر مفارقة، بل مأساتنا كلها تكمن هنا: أن يصبح المشهد السياسي نسخة طبق الأصل من قصة “أم كرو”، لا فرق بين الشاتم والمشتوم، ولا بين “الداعية للشرعية” والمنقلب عليها، الكل في الهوا سوا.
فيا “بنات أم كرو”، كفاكنّ صراخًا، دسن كرو امهاتكن أولًا، وأصلحن ذات بينكن، ثم تكلمن عن الشرعية من موقع الأخلاق لا موقع الفضيحة.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية



