المنوعات

دور شعر الحقيبة في توثيق حفلات الزواج

بقلم: إسماعيل السيد أحمد
استعراض الجزء الأول من المقال وصف شعر الحقيبة لحفلات الزواج مع تناوله للعديد من النماذج بغرض توضيح بعض المفاهيم والمدلولات وتقديمها كأمثلة حيّة تُقرب المعنى للقارئ، وايضاً بغرض الاستدلال بها على ما تم التوصل إليه من اراء.
في هذا الجزء من المقال، نسلط الضوء على اجواء حفلات الزواج من خلال شعر الحقيبة، والطقوس التي تُؤدّى فيها من رقص وهَزّ وغيرهما، فضلاً عن استكشاف الأجواء النفسية والاجتماعية المصاحبة لها، وتحليل الحالة الوجدانية والعاطفية للحاضرين لتلك الحفلات ضمن هذا السياق الثقافي.
على سبيل المثال في أغنية <> التي كتبها الشاعر مصطفى بطران وصف الشاعر بأن الانارة المستخدمة في الحفلة هي الرتاين، (جمع رتينة) «الرّتاين الوالعة من شلوخو تُنار»، حيث يستدعي الشاعر مفردة “الرّتاين” بما تحمله من دلالة على المصابيح، ليجعل من شلوخ المحبوبة مصدراً للطاقة تُنار به الحفلة، وتتجلي روعة البيت في كون الشاعر لم يجعل الشلوخ مجرد أثر جسدي على خدود النساء، بل تعداه جمالياً ليخلق منها وقوداً يسرج تلك المصابيح (الرتاين)، في استعارة تُضفي على وجه المحبوبة بُعداً جمالياً ساحراً، وكأن الشلوخ تضيء الحفل بقوة دفعها الذاتي، وليست بما ينعكس عليها من ضوء.
ويتجسد جمال وصف الحفلة في صورة تجمع بين توهج الإنارة من جانب، وبين التماهي الحسّي للرتاين مع التوظيف الرمزي للشلوخ من جانب اخر، وبذلك يكون الشاعر قد رسم لوحة فنية تزينها ألوان الصورة الحسية مع الإيحاء الجمالي مما يدلّل على جمال وجه المحبوبة.
يصّور لنا الشاعر محمد البشير عتيق في قصيدته الغنائية <> أجواء الحفلة مستعرضاً أحوال الحضور فيها، وذلك في قوله:
ناس عليها فرحة** وناس صريعة جرحى ** وناس قلوبا اسره
وألف ألف عاشق** يذوب غرام وحسرة
إذ إن الشاعر يكشف عن تباين الحالات النفسية والمشاعر الوجدانية التي غمرت الحاضرين للحفل، حيث يرسم الشاعر مشهد مركّب يعكس من خلاله مشاعر متناقضة للحضور، إذ إنه يقسم مشاعر الحضور إلى ثلاث فئات، وهو في حقيقته توزيع لانفعالات الشاعر نفسها، وهي بين فرح عابر يمثله قوله: (ناس عليها فرحة)، وانكسار دامٍ تجسده مقولته: (وناس صريعة جرحى)، ووجدان مشغوف بالحب يُظهره: (وناس قلوبا اسره)، هذا التعدّد الانفعالي يوحي بمدى ممارسة الشاعر للإسقاط النفسي، الذي من خلاله يعكس مشاعره الداخلية المكبوتة، ومن ثمّ يحيلها إلى مشاعر موزَّعة على ناس متعدّدين. بيد أن فرح العامة من -وجه نظري- يتفوق – على أقل تقدير- ولو ظاهرياً على الألم الكامن في نفوس الخاصة، وذلك دون اقصاء أي شعور من الشعورين للأخر.
ويصل تصوير الحفل مداه (Dynamic Range) عند التقاط الشاعر محمد البشير عتيق لصورة تضمنت تفاصيل لمشهد يشمل عدداً هائلاً من العشّاق في صيغة تهويليه (ألف.. ألف) وذلك في قوله: «وألف ألف عاشق **يذوب غرام وحسرة»، الأمر الذي يعمّق الإحساس بشمول وضخامة التجربة، وفي تركيبة ثنائيّة الأبعاد يجمع الشاعر بين «الغرام» و«الحسرة» معاً ليجسّد لذّة الحب وألمه في آنٍ واحد.
يصف الشاعر/ حدباي الحسان اللاتي شرفن الحفل بأنهن يحظون بأعين فاترة آسرة، أشار إليها بقوله “شرفلو بالمرض النصاح”، وهو توصيف ذو بعد جماليّ لا يحمل دلالة العلّة (المرض)، بقدر ما إنه يُعدّ سمةً من سمات الحسن التي تُضفي على ملامح العيون سحراً وفتنةً.
شرفلو بالمرض النصاح** من حينو فارقني النصاح
ويوظف الشاعر / مصطفى بطران فن تصوير البورتريه في وصفه لحسان الحفلة في العديد من أبيات القصيدة، ولكننا نكتفي بأخذ نموذج واحد منها-لأن المقال لا يسمح باستعراض جميعها- حيث إن الشاعر في الابيات التالية: يصور لنا حسان الحفلة في قوله:
ديل بدُور مُحْتفْلَة أمْ شبَاب مصْيُون
يَحْكِي الأرائل الجَافْلَة يَفُوق عليها عيُون
يَسْبِي صَاحِب النّافلَة حَاشَي ما مَخْيُون
إذ إنه يصّور حِسَان الحفلة في ملمح تصويريّ بديع «ديل بدور محتفلة** أم شباب مصيون»، واصفاً اياهن بـالبدور المحتفلة بكمال ضوئها واكتمال جمالها، عاقداً مقارنة ضمنية بين حِسَان الحفلة وجمال البدور ليزاوج بين الجمال الحسي والمعنوي في صورة واحدة، ويبلغ المشهد ذروة جماله عند اجتماع اكتمال البدور وتمام نضارة الشباب من ناحية، وبصون الحسان من كل العيوب من ناحية اخرى، مما يعكس كمال الطبيعة وتمام الانسان في ذات الوقت في قوله: (حَاشَي ما مَخْيُون).
ثم يواصل الشاعر عقد المقارنة بين حسان الحفلة وسرب الظباء (الأرائل) في قوله: «يحكي الأرائل الجافلة** يفوق عليها عيون»، حيث يستدعي الشاعر صورة الظباء الجافلة للدلالة على رشاقتها وحيويتها، ليجعل منها معياراً للمقارنة، بل نجد أن الشاعر ينحاز إلى حسان الحفلة في دلالة واضحة تعكس تفوقهن على الارائل «يفوق عليها عيون»، فعيونهن لا يضارعن عيون الظباء فحسب، بل يكون لهن شرف التفوق، وهو أسلوب مفاضلة يعمّق مدى الإحساس بالتمييز.
وفي قوله: «يسبي صاحب النافلة** حاشا ما مخيون»، ينتقل الشاعر من المقارنة الحسية إلى أثرها النفسي؛ فحسناوات الحفلة يتمتعن بجمال آسر، يسلب نُّهَى المُتعبّد الحريص على أداء النوافل، وهو تصوير تكمن فيه مقارنة ضمنية بين قوة الجمال وقوة التديّن، حيث تكون الغلبة فيه لقوة الجمال التي تسبي عقل المتَديّن التقّي. غير أن الشاعر يستدرك الأمر بشكل ايجابي بقوله «حاشا ما مخيون»، وبذلك يكون قد نفي عن المتَديّن نفياً مانعاً للجهالة عيب الخيانة ” ما مخيون “، ليؤكد أن هذا السبي ليس عيباً يعتري صاحب النافلة -في حد ذاته-، بل يُعد أمراً طبيعياً لفرط جمالهن.
أما في قوله: «والفصيد الشّالعه **روضة فوق لمنار»، فيرتقي الشاعر بتصوير وجه محبوبته ليجعل منه روضة وارفة الظلال ينيرها بريق فصد خدها المتجلي، ويسمو به إلى مقام سامق حينما يصفه كمنارة تعلو فوق هاتيك الروضة.
تستمر حفلات الزواج في غالبها الأعم -وقتئذ- إلى الصباحات الهجان، وقد وثق لذلك الشاعر خليل فرح في قصيدته الغنائية “تم دوره وادور” حينما رسم أجواء حفل زواج محمد عثمان منصور البهيج بتقنية التظليل التدريجي (Gradient Shading) متنقلاً بسلاسة بين درجات جمال الحفلة حيث الشعور بالدفء العاطفي وفاء الخلان الراسخ والذي لا يتبدّل (المدام ما اتنكر)، واستمرار الحفل إلى حين الفجر لتُفتتح الحياة بصياح الديك (لا من ديكنا صاح)، في رمزية تربط الشعور بلحظة الفجر، وعلو فرح وبهجة الحضور قوله: (فوق رؤوسنا اتحكّر).
المدام ما اتنكر** لا من ديكنا صاح** فوق رؤوسنا اتحكّر
في سرديّة احتفائيّة بديعة لحفل زواج عربي الباروديّ، يرسم الشاعر/ محمد البشير عتيق إطاراً زمانياً يتوهج بالجمال لحَبك سردية ليلة الزواج الساهرة “قضينا ليلة ساهرة”، ومن خلاله ينساب جمال السرد، مستدرجاً شغف القارئ إلى عوالم الحفل ومباهجه، حيث تتجلّى فيه المحاسن التي انتُقيت بعناية فائقة، إذ لم يكتف الشاعر بانتقاء وصف حسان الحفلة من عموم الروض “من كل روضة عَيّنه”، بل أن سرده يمضي لتقديم المزيد من الانتقاء، ليصطفي خلاصة الجمال: “ومن كل عيّنة زهرة”. وهو سرد – دون شك- تكاثفت فيه عدة مشاهد في تناغم تام وانسجام مُكمّل، وتنعقد الدهشة لدى القارئ من استخدام الشاعر لأقل عدد من الكلمات وبأكبر عمق دلالي لها.
قضينا ليلة ساهرة** من كل روضة عَيّنه** ومن كل عينه زهرة
شارك الحضور العريس افراحه مُعبريّن عما تجيش به مشاعرهم من افراح وسعادة بالهزّ، والبطان، واخذ الشبّال، وغير ذلك من وسائل التعبير المتاحة وقتئذ، في قصيدة <> التي كتبها الشاعر/ محمد ود الرضي يصف لنا مشاركة الخليفة – لم يحدد الشاعر أسمه- المُشبّعة بصدق المشاعر فاهتزازه يوحي بالانفعال بحيثيات المشهد، وسلّه لسيفه يعبر رمزاً عن جاهزيته للدفاع عن شرف وكرامة “عَزةّ”. ولا يخفى على القارئ/ئه الحس الوطني الذي يتضمنه هذا البيت، حيث تمثل عزة رمزية للمحبوبة الوطن والوطن للمحبوبة.
تَانِى مَا بنَتْعَزَّه عَلِى البَنَاتْ يَا عَزَّه
الخَلِيفَة إهْتَزَّ سَلَّ سَيفُه وهَزَّ
وكما وثق شعر الحقيبة لتفاعل رفقاء العريس مع أجواء الحفلة، ايضاً أورد شعر الحقيبة موثقاً لرقص الفتيات في حفلات الزواج، حيث صوّر الشاعر/ محمد ود الرضي في اغنية <> رقص إحدى حسناوات الحفلة واصفاً بأنها تزخر بضروب فنون الرقص (رَقْصَتِك فَنيِّة)، لِما تتمتع به من لدّانة قوام ورشاقة خصر، حيث إنهما كفيلين بنقل حركة الرقص من مجرد أداء ميكانيكي إلى تعبير حيّ نابض بالجمال ومفعم بالإحساس واصفاً إياها ب(الَمْتنيَّه):

قُومِى يالَمْتنيَّه تَمِّمِى الأمُنِيَّة** رَقْصَتِك فَنيِّة
شيء عَجِيبْ لليُومْ
يكشف الشاعر / ود الرضي في قصيدته الغنائية <> التي تغنى بها الفنان خضر بشير، عن أسباب تجويد الفتيات للرقص في حفلات الزواج والتي تتمثل في الصفات جمالية التي حباها الله لهنْ، والتي يمكن تلخيصها فيما يلي: الكتف المُهَدَّلْ (المسترخي) فإنه يساعد الراقصة في أداء حركة الرقص بسلاسة وانسيابية، ومن الناحية الفنية فأن خفض الكتفين يساعد على فك اسر الرقبة والذراعين وتحريرهما اثناء الرقص، كما إنه يساعد الراقصة في أداء حركات الرقص بانسيابية ومرونة “الكَتْفَ المُهَدَّل والجِّسْمَ إنْتَبَرْ”، وأن من بين تلك الاسباب الانثناء اللين للظهر والانحناء المتوازن له ، إذ إنهما يمنحان الجسم انسيابية ومرونة في الحركة، ويخلق إحساساً بـ الرشاقة والدلال <>. كما لطول واسترسال الشعر أهمية قصوى في الرقص، الأمر الذي يمكنها من التباهي بطوله ونعومته ويحفزها على نَثرَه اثناء الشبّال، وتتجلى روعة المشهد عندما صوّر الشاعر / ود الرضي شعر الراقصة المسترسل مغطياً عضديها (عَمْعَمْ دِيسُه دِرْعُو)، ويزيد المشهد جمالاً خصلات الشعر المضفورة والمتداخلة في بعضها البعض، مما يوحي بانسياب الشعر وغزارته ونعومته (عَمْعَمْ دِيسُه دِرْعُو فِى بَعْضُه إنْضَفَرْ).
الكَتْفَ المُهَدَّلْ والجِّسْمَ إنْتَبَرْ
والصَّادْ والمُزَمْزَمْ والغَيمْ والتَّبَرْ
والضَّهَرْ المَتَنَّى والتَّيهْ يَا الأبَرْ
دَا الخَلاَّنِى سَاهِرْ مَاءَ عِينَىْ تَبَرْ
لاَحَمْ كَتْفُه كَفَلُو مَاجْ جِيدُه الوَفَرْ
عَمْعَمْ دِيسُه دِرْعُو فِى بَعْضُه إنْضَفَرْ
حَاكِى الغَيمْ تَنَقَّلْ يَا غَالِى النَّفَرْ
عكف شعراء اغنية الحقيبة على اختتام قصائدهم الغنائية بتقديم التهنئة للعريس، حيث اختتم الشاعر/ محمد البشير عتيق قصيدته “قضينا ليلة ساهرة” بتهنئة صديقه العريس/ عربي البارودي حينما قال: (لي عربي البارودي** التهاني مستمرة). وكذلك هنأ الشاعر/ أحمد عبد المطلب (حدباي) صديقه العريس/ محمد عثمان منصور بزواجه مع أمنياته له بحياة زوجية هنية.
قول ليهو قط ما ليك وزين *** يا محمد أبياتي القــــــلال
تاج في صدورهن وليك هلال *** بي قدرة الحي ذو الجلال
تتهنا في بيت الحلال
و تمنى الخليل للعريس/ محمد عثمان منصور دوام الفرح والهناء في قصيدته “تم دور وأدو ر” حين قال: ما في عين تتحسر ** دام عريسنا دام** والحسور يتحسر

زر الذهاب إلى الأعلى