الأعمدة

” تأجيل الرباعية الدولية: ضربة موجعة لآمال السودانيين في إنهاء كابوس الحرب”

بقلم: المستشار معاوية أبوالريش

في لحظة كان السودانيون ينتظرونها بلهفة كبيرة، تلقوا ضربة موجعة بالإعلان المفاجئ عن تأجيل اجتماعات الرباعية الدولية التي كان من المقرر انعقادها في العاصمة الأمريكية واشنطن نهاية يوليو الجاري. هذا التأجيل لم يكن مجرد خبر سياسي عابر، بل كان بمثابة صدمة نفسية لشعب أنهكته حرب ضروس دخلت عامها الثالث دون أي بصيص أمل في الأفق.
كان السودانيون يعلقون آمالاً عريضة على هذه الرباعية الدولية – التي تضم الولايات المتحدة والسعودية والإمارات ومصر – باعتبارها الفرصة الأخيرة لإيجاد آلية ناجعة لوقف الحرب المدمرة التي راح ضحيتها عشرات الآلاف من الأبرياء وتسببت في تشريد أكثر من 12 مليون شخص، نصفهم خارج حدود الوطن. هذه الأرقام المأساوية تحكي قصة معاناة إنسانية لا توصف، حيث يواجه أكثر من 25 مليون سوداني – أي نصف سكان البلاد – انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، بينما يعيش 755 ألف شخص تحت خطر المجاعة.
إن الصمت الرسمي حول أسباب هذا التأجيل المفاجئ لم يخف التسريبات التي كشفت عن خلافات جوهرية بين الدول الأربع حول آلية عمل هذه المجموعة ومستقبلها. فالولايات المتحدة اقترحت توسيع قاعدة المشاركة بضم قطر والمملكة المتحدة، وهو اقتراح وجد ترحيباً من مصر والسعودية، لكنه واجه معارضة شديدة من دولة الإمارات. هذا الخلاف يكشف عن تباين في الرؤى الاستراتيجية وتضارب في المصالح الجيوسياسية لهذه القوى الإقليمية والدولية في السودان، مما يطرح تساؤلات جدية حول جدوى الجهود الدبلوماسية الحالية.
في الواقع، إن الخلاف الحقيقي يتجاوز مسألة العضوية إلى جوهر الرؤية لمستقبل السودان السياسي. فبحسب التسريبات الدبلوماسية، كان الخلاف الأساسي حول البيان الختامي المقترح، حيث رفضت مصر – الحليف التاريخي للجيش السوداني – النص الذي ينص على عدم سيطرة أي من الأطراف المتحاربة على الفترة الانتقالية. هذا الموقف المصري يعكس حرصها على الحفاظ على المؤسسات الحكومية التقليدية والجيش كركيزة للدولة، بينما تبدو الإمارات أكثر انفتاحاً على تسوية تشمل قوات الدعم السريع في الحكم المستقبلي.
إن مصالح هذه الدول في السودان متشابكة ومعقدة، وتتجاوز الاعتبارات الإنسانية إلى حسابات استراتيجية واقتصادية بحتة، في تجاهل صارخ لمعاناة الشعب السوداني الذي يموت جوعاً ومرضاً وتشرداً. فالإمارات تسعى بلا هوادة للحفاظ على مصالحها الاقتصادية الضخمة في السودان، خاصة في قطاع الذهب حيث تستحوذ على تصدير الجزء الأكبر من الإنتاج السوداني – وهو ذهب يُستخرج من أرض السودان بينما شعبه يعاني الفقر المدقع. كما تحتاج لضمان وصولها إلى الموانئ السودانية على البحر الأحمر لتحقيق أطماعها التجارية، دون اكتراث لكون هذه الموانئ ملك للشعب السوداني الذي من حقه أن يستفيد من عائداتها. أما مصر فتنظر للسودان كعمق استراتيجي حيوي لأمنها القومي، خاصة فيما يتعلق بأمن النيل ومنع تدفق اللاجئين، وهي تخشى من سيطرة قوات الدعم السريع على الحكم لما قد يعنيه ذلك من عدم استقرار على حدودها الجنوبية، متناسية أن هؤلاء “اللاجئين” هم في الأصل سودانيون فُرض عليهم ترك أوطانهم بسبب حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
من جهتها، تسعى السعودية لتعزيز دورها كوسيط إقليمي موثوق والظهور كقوة مؤثرة في المنطقة، وهي تنظر للاستقرار في السودان كعنصر مهم لأمن البحر الأحمر واستقرار استثماراتها الإقليمية، بينما تتجاهل حقيقة أن الشعب السوداني يملك ثروات طبيعية هائلة كان من المفترض أن تجعله من أغنى شعوب المنطقة. أما الولايات المتحدة فتركز على وقف التدخلات الخارجية في الصراع – خاصة من روسيا وإيران اللتين تدعمان الجيش السوداني – والحد من النفوذ الصيني المتنامي في المنطقة، بالإضافة إلى احتواء الأزمة الإنسانية التي باتت تهدد الاستقرار الإقليمي ومصالحها الجيوسياسية، دون اهتمام حقيقي بمعاناة السودانيين الذين يفترشون الأرض ويلتحفون السماء في مخيمات اللجوء.
هذا التضارب في المصالح والرؤى، والانشغال المفرط بالحسابات السياسية على حساب الدم السوداني المسفوك، يفسر فشل المبادرات السابقة، بما في ذلك المحادثات التي رعتها الولايات المتحدة والسعودية في جدة، والاجتماع الذي استضافته بريطانيا في أبريل الماضي. والأمر الأكثر إثارة للسخرية والألم هو أن هذه المفاوضات تتم دون مشاركة فعلية من الأطراف السودانية المتحاربة أو القوى المدنية، مما يجعلها تبدو أشبه بتقسيم للنفوذ ومزايدة على جثث الأبرياء أكثر منها جهوداً حقيقية لإحلال السلام. فكيف يُعقل أن تُحدد مصائر شعب بأكمله في غرف مغلقة دون أن يكون له صوت أو رأي في القرار؟ وكيف يُقبل أن تتصارع القوى الإقليمية والدولية على موارد السودان الطبيعية الهائلة – من ذهب ونفط وأراضي زراعية خصبة وموقع استراتيجي – بينما أطفال السودان يموتون من سوء التغذية والأمراض؟
إن تأجيل اجتماع الرباعية يأتي في وقت حرج للغاية، حيث تشهد الحرب تطورات ميدانية متسارعة. فالجيش السوداني حقق مكاسب مهمة في الخرطوم وأم درمان وبحري، بينما تحتفظ قوات الدعم السريع بسيطرتها على مناطق واسعة في دارفور وكردفان. هذا التوازن الميداني المتغير يعقد من مهمة الوسطاء الدوليين ويجعل كل طرف يعتقد أنه قادر على حسم المعركة عسكرياً، مما يقلل من حوافز التفاوض.
كما أن الوضع الإنساني المتدهور يضغط بقوة على المجتمع الدولي للتحرك السريع. ففي الوقت الذي تنتشر فيه المجاعة في أجزاء من دارفور، وترتفع معدلات سوء التغذية الحاد بين الأطفال إلى مستويات كارثية، تواجه عمليات الإغاثة عراقيل هائلة من الطرفين المتحاربين. وقد حذرت الأمم المتحدة من أن نصف خطة الاستجابة الإنسانية فقط تحصل على التمويل المطلوب، مما يعني أن ملايين السودانيين سيبقون دون مساعدة كافية.
إن فشل الرباعية الدولية في عقد اجتماعها المقرر يرسل رسائل خطيرة ومؤلمة متعددة. أولاً، يظهر أن الخلافات بين القوى الإقليمية والدولية حول السودان أعمق مما كان متوقعاً، وأن تحقيق الإجماع الدولي المطلوب لإنهاء الحرب أمر بالغ الصعوبة عندما تتضارب المصالح الاقتصادية والسياسية. ثانياً، يكشف عن ضعف مفضوح في الإرادة السياسية الحقيقية لدى هذه القوى لتجاوز مصالحها الضيقة من أجل إنقاذ الشعب السوداني، فهي تتحدث عن الإنسانية في المحافل الدولية بينما تتصارع في الخفاء على موارد السودان وموقعه الاستراتيجي. ثالثاً، يُظهر بوضوح أن حياة السودانيين أقل قيمة في نظر هذه القوى من مصالحها الاقتصادية والسياسية، فبينما يتحدثون عن ملايين الدولارات من الاستثمارات والعقود، يتجاهلون أن مئات الآلاف من السودانيين يعيشون تحت خط الفقر المدقع في بلد يمتلك من الثروات ما يكفي لجعل كل مواطن فيه يعيش حياة كريمة.
أما السودانيون العاديون، الذين يدفعون الثمن الأغلى لهذه الحرب ولطمع الدول الإقليمية والدولية في خيرات بلادهم، فيجدون أنفسهم محاصرين بين نيران الصراع المحلي وتضارب المصالح الدولية. إن آمالهم التي كانت معلقة على الرباعية الدولية كآخر قشة للنجاة، قد تحطمت مرة أخرى، تاركة إياهم في دوامة من اليأس والإحباط، بينما الجميع ينسى أن لهم الحق الطبيعي والمشروع في أن يعيشوا على أرضهم حياة كريمة، وأن يستفيدوا من ثروات بلادهم التي وهبها الله لهم وليس للمستثمرين الأجانب أو القوى الإقليمية الطامعة. هذا الشعور بالخذلان ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو نتيجة طبيعية لسلسلة من الوعود المكسورة والمبادرات الفاشلة التي شهدتها الأزمة السودانية على مدى العامين الماضيين، وكلها تركز على المصالح السياسية والاقتصادية للقوى الخارجية بينما تتجاهل بشكل مريب معاناة الشعب السوداني الذي يفترض أنها جاءت لمساعدته.
إن الطريق نحو السلام في السودان يبدو أكثر تعقيداً مما كان متصوراً، ويتطلب إرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف، المحلية والإقليمية والدولية. كما يحتاج إلى آلية جديدة تضع المصلحة السودانية فوق كل الاعتبارات الأخرى، وتشرك الشعب السوداني بشكل فعلي في تقرير مستقبله. وحتى يتحقق ذلك، ستبقى معاناة الملايين من السودانيين مستمرة، وسيبقى حلم السلام بعيد المنال في بلد يستحق شعبه حياة أفضل بكثير مما يعيشه اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى