في خطوة أثارت جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والمدنية، أصدر رئيس الوزراء السوداني المدعوم من قبل الجيش، الدكتور كامل إدريس، قراراً يقضي بإنشاء وحدة جديدة تُعنى بقضايا الشباب، وتلحق مباشرة بمكتبه التنفيذي، في وقت تتصاعد فيه الاتهامات بأن هذه الخطوة تمثل غطاءً سياسياً وأمنياً لإعادة تموضع الكتائب الإسلامية داخل مؤسسات الدولة المدنية. وتشير مصادر مطلعة في مدينة بورتسودان إلى أن هذه الوحدة تأتي لضمان مشاركة واسعة لما يعرف بكتيبة الإسناد الوطني التابعة لمجموعة البراء بن مالك، الذراع العسكري للحركة الإسلامية، والتي أعلنت مؤخراً تخليها عن العمل العسكري والتوجه نحو ما وصفته بـ”العمل المدني”.
وبحسب هذه المصادر، فإن إنشاء الوحدة الجديدة لا يهدف فقط إلى تمكين الشباب من المشاركة في رسم السياسات التنموية كما ورد في نص القرار، بل يمثل ستاراً لإعادة هيكلة النفوذ الإسلامي داخل مؤسسات العمل المدني، ومنع عودة التنسيقيات الشبابية التي قادت الحراك الشعبي ضد انقلاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان. وتؤكد المصادر أن هذه الخطوة تهدف أيضاً إلى السيطرة على الموارد والبرامج الخاصة بالعمل المدني، وإغلاق المساحات التي كانت تنشط فيها الحركات الشبابية المناهضة لحكم العسكر، خاصة مع بدء عودة المواطنين من مناطق النزوح واللجوء.
وتأتي هذه التحركات في سياق أوسع لإعادة توزيع الأدوار داخل العاصمة الخرطوم، حيث يُتوقع أن تتولى كتيبة البراء مهام تتعلق بالإعمار والخدمات الاجتماعية، بما في ذلك تنظيم التكايا، وذلك بعد أن فرض والي الخرطوم التابع للجيش قيوداً على عملها، مشترطاً الحصول على تصاريح مسبقة. وتُعد هذه الخطوة جزءاً من عملية إدماج الميليشيات التي قاتلت إلى جانب الجيش في الحكومة التابعة له، بعد تلقيها دعماً مالياً ضخماً من التنظيم الإسلامي، وصلت قيمته إلى نحو 300 مليون دولار، بهدف السيطرة على مفاصل العمل المدني خلال المرحلة المقبلة، لا سيما في ولاية الخرطوم.
وفي الوقت الذي يروج فيه مكتب رئيس الوزراء إلى أن الوحدة الجديدة تهدف إلى تمكين الفئات الشبابية من الإسهام الفاعل في صناعة القرار الوطني، يرى مراقبون أن هذه الخطوة تأتي في سياق إعادة تدوير الكتائب الإسلامية تحت غطاء مدني، خاصة بعد مقتل أكثر من 130 شاباً في احتجاجات متواصلة ضد انقلاب أكتوبر 2021، واستمرار المظاهرات المناهضة لحكم العسكر حتى اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023. ويشكك مراقبون سودانيون في صدقية إعلان ميليشيا البراء التخلي عن السلاح، معتبرين أن هذه الخطوة جاءت متأخرة، وبعد نحو ثلاث سنوات من اندلاع الصراع الأهلي، ما يجعلها أقرب إلى المناورة السياسية منها إلى التحول الحقيقي.
وتعزز هذه الشكوك التحركات العسكرية التي رُصدت مؤخراً البراء في الخرطوم وأم درمان، حيث قامت باكتساح نقاط تابعة لحركة تحرير السودان بقيادة مني أركو مناوي، بدعم جوي من طيران قوات حكومة بورتسودان، ما اعتبره محللون دليلاً على استمرار التنسيق العسكري بين الكتائب الإسلامية وقوات الجيش.
وفي هذا السياق، أكد الكاتب والمحلل السياسي الدكتور أبو العسل السيد، في تصريح لـ”إرم نيوز”، أن توقيت إعلان البراء التخلي عن السلاح يثير الريبة، ويشير إلى محاولة للعب دور مدني في المرحلة المقبلة بهدف السيطرة على أي تحركات سياسية معارضة، واصفاً الخطوة بأنها “انحناء للعاصفة” لا أكثر.
ويرى أبو العسل أن الكتائب الإخوانية في السودان لا تختلف عن الجماعة الأم في تكتيكاتها، مشيراً إلى أن ميليشيا البراء ظهرت لأول مرة عام 1976 كجزء من كتائب الظل التي أسستها جماعة الإخوان المسلمين، وتمكنت لاحقاً من اختراق الجيش والشرطة وأجهزة الأمن. ومع اندلاع الحرب في أبريل 2023، عادت هذه الميليشيا إلى الواجهة، وتمت ترقيتها إلى مستوى “فيلق”، على غرار “فيلق القدس” التابع للحرس الثوري الإيراني، وهو ما يعكس عمق العلاقة بين الحركة الإسلامية السودانية والنظام الإيراني، الذي يواجه بدوره أزمة داخلية عميقة بعد حرب يونيو الأخيرة.
ويعتقد أبو العسل أن إعلان البراء التخلي عن السلاح يرتبط بشكل مباشر بالأزمة التي يمر بها النظام الإيراني، خاصة بعد الضربات التي تلقاها من إسرائيل والولايات المتحدة، والتي انعكست على حلفائه في المنطقة، بما في ذلك الميليشيات السودانية. ويضيف أن هذه الميليشيات، التي ارتكبت انتهاكات واسعة خلال سنوات الصراع، لا يمكن أن تتحول فجأة إلى أدوات للعمل المدني، خاصة في ظل استمرار التحركات العسكرية على الأرض، ما يؤكد أن قوات البرهان لا تزال تعتمد عليها بشكل أساسي بعد خسائر كبيرة في صفوف الجيش وهروب آلاف الضباط والجنود إلى خارج البلاد. ويخلص إلى أن ما تبقى في السودان ليس جيشاً وطنياً، بل تشكيلات ميليشياوية متطرفة تسيطر على القرار السياسي والأمني.



