الأخبار

عبد العاطي وروبيو يبحثان الأزمة السودانية

في إطار التحركات الدبلوماسية المكثفة بشأن الأوضاع في السودان، عقد وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو اجتماعاً ثنائياً مع نظيره المصري الدكتور بدر عبد العاطي، ناقشا خلاله سبل تعزيز السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط، مع تركيز خاص على تطورات الأزمة السودانية. اللقاء الذي جرى أمس يأتي في توقيت بالغ الحساسية، وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتباين المواقف الدولية بشأن مستقبل العملية السياسية في السودان.

وأكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تامي بروس، أن المحادثات تناولت ضرورة الانتقال إلى حكم مدني في السودان، باعتباره خطوة محورية نحو تحقيق الاستقرار السياسي والسلام المستدام في البلاد. وشدد الطرفان على أهمية دعم هذا التحول من خلال جهود دولية منسقة تضمن وقف إطلاق النار وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة.

من جانبها، أصدرت وزارة الخارجية المصرية بياناً أكدت فيه أن الوزير عبد العاطي شدد خلال اللقاء على موقف القاهرة الثابت في دعم مؤسسات الدولة السودانية، وضرورة احترام سيادة السودان ووحدة وسلامة أراضيه، مشيراً إلى أهمية التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار كمدخل أساسي لمعالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة.

وسبق هذا اللقاء اتصال هاتفي أجراه الوزير المصري مع عمر صديق، وزير الدولة بوزارة الخارجية والتعاون الدولي السودانية، في الثلاثين من يوليو، حيث استعرض خلاله الجهود المصرية الرامية إلى دعم السلام والاستقرار في السودان، بما في ذلك مشاركتها الفاعلة في إطار الآلية الرباعية الدولية المعنية بالملف السوداني، والتي تضم إلى جانب مصر كلاً من الولايات المتحدة والسعودية والإمارات.

وجدد عبد العاطي خلال الاتصال تأكيد دعم مصر المتواصل لسيادة السودان ومؤسساته الوطنية، ورفضها لأي خطوات من شأنها تهديد وحدة البلاد أو تقويض مؤسساتها، مشدداً على ضرورة الحفاظ على مقدرات الشعب السوداني في ظل الظروف الراهنة.

ويأتي هذا التحرك الدبلوماسي عقب إلغاء الاجتماع المقرر للآلية الرباعية في واشنطن، والذي كان من المفترض أن يُعقد يوم الأربعاء، وسط تضارب في الروايات حول أسباب التأجيل. ونقلت صحيفة الشرق الأوسط عن مصادر دبلوماسية أمريكية أن الإلغاء جاء نتيجة تباينات بين وزير الخارجية الأمريكي ومستشار الرئيس للشؤون الأفريقية مسعد بولس، فيما أفادت وكالة فرانس برس أن الخلافات بين مصر والإمارات حول صياغة فقرة في البيان الختامي كانت السبب الرئيسي، حيث اقترحت أبوظبي تضمين دعوة لإبعاد القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع عن مستقبل العملية السياسية، وهو ما رفضته القاهرة بشكل قاطع.

وتعكس هذه الخلافات عمق الانقسام الإقليمي والدولي بشأن الأزمة السودانية، حيث تتبادل الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع الاتهامات بشأن الدعم الخارجي، إذ تتهم الخرطوم الإمارات بتقديم دعم مباشر لقوات الدعم السريع، وقدمت شكاوى بهذا الخصوص إلى عدد من المؤسسات الدولية، في حين تتهم قوات الدعم السريع مصر بمساندة الجيش السوداني في الحرب الدائرة، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويضع مستقبل التسوية في السودان أمام تحديات كبيرة تتطلب توافقاً دولياً حقيقياً.

في سياق التفاعلات السياسية المحيطة بالأزمة السودانية، اعتبر الصحفي والمحلل السياسي عبد الرحمن الأمين أن تأجيل اجتماع الآلية الرباعية بشأن السودان، الذي كان من المقرر عقده في التاسع والعشرين من يوليو، لا يرتبط بشكل جوهري بالتحفظات المصرية كما تم الترويج له في بعض الأوساط، بل يعود إلى خلافات داخلية تتعلق بإدارة الملف السوداني داخل الولايات المتحدة. وأوضح أن المستشار الرئاسي مسعد فارس بولس، الذي تولى مسؤولية هذا الملف مؤخراً بعد نجاحه في ملفات رواندا والكونغو، يعتمد أسلوباً تفاوضياً أقرب إلى منهج رجال الأعمال، حيث يميل إلى إبرام صفقات مباشرة دون تنسيق مؤسسي كافٍ، وهو ما أثار تحفظات داخل وزارة الخارجية الأمريكية، لا سيما من قبل نائب الوزير كريستوفر لاندو.

وأشار الأمين إلى أن الاجتماع التحضيري الذي جمع سفراء السعودية والإمارات ومصر في واشنطن تم تنظيمه تحت إشراف بولس، دون إشراك نائب وزير الخارجية أو التنسيق مع وزارة الدفاع ووكالة الأمن القومي، مما أدى إلى حالة من الارتباك داخل المؤسسات الأمريكية المعنية بالملف. وبلغ هذا الارتباك حد غياب أي إشارة إلى السودان في المؤتمر الصحفي الموسع الذي عقدته القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) قبل ساعات من الموعد المفترض للاجتماع، وهو ما اعتبره مؤشراً على ضعف التنسيق الداخلي بشأن القضية السودانية.

وفيما يتعلق بالموقف المصري، أكد الأمين أن القاهرة حافظت على دعمها للجيش السوداني منذ اندلاع النزاع، لكنه شدد على أن تحميلها مسؤولية تعطيل اجتماع الآلية الرباعية بشكل كامل لا يعكس الواقع بدقة. وأوضح أن مصر ساهمت في تعقيد المشهد لكنها لم تكن السبب الرئيسي وراء إلغاء الاجتماع، مشيراً إلى أن هناك عوامل داخلية أمريكية أكثر تأثيراً في هذا القرار.

وتوقع الأمين أن تشهد المرحلة المقبلة إعادة هيكلة لآلية عمل الرباعية، بما يضمن إشراك وزارة الخارجية الأمريكية والجهات الفاعلة في صنع القرار، مع احتمال تقليص الدور المنفرد الذي يلعبه مسعد بولس في إدارة الملف السوداني، وذلك في محاولة لتجاوز حالة التوتر المؤسسي التي ظهرت مؤخراً.

من جانبه، اعتبر مهدي داوود الخليفة، الخبير في الشؤون الأمريكية، في تصريح لراديو دبنقا، أن تأجيل الاجتماع، رغم خلفياته السياسية، يمثل فرصة نادرة للسودانيين لاستعادة زمام المبادرة وطرح رؤيتهم الوطنية من داخل الميدان، لا باعتبارهم مجرد متفرجين أو ضحايا، بل كأصحاب مشروع بديل قادر على إنقاذ البلاد من الانهيار وإعادة بناء الدولة على أسس مدنية ديمقراطية. وأوضح أن المبادرة الأمريكية فشلت منذ انطلاقها في دعوة أي من الأطراف السودانية الرسمية أو المدنية، مشيراً إلى أن تحويل السودان إلى ملف إقليمي تُدار تسوياته في غرف مغلقة بعيداً عن أصحاب القضية لا يمكن تفسيره إلا باعتباره تعبيراً عن استعلاء سياسي

واعتبر الخليفة أن الاجتماع المؤجل في واشنطن حول السلام في السودان لا يعدو كونه محطة دعائية تهدف بالأساس إلى إعادة تقديم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في صورة “صانع السلام العالمي”، دون امتلاك أي فهم حقيقي لجذور الأزمة السودانية المركبة. وأضاف أن هذا الاجتماع يأتي في سياق حملة انتخابية تسعى إلى توظيف الأزمات الخارجية لأغراض داخلية، دون تقديم رؤية جادة لمعالجة الأزمة.

وأكد أن المبادرة الأمريكية لا تمثل محاولة حقيقية لمعالجة جذور الأزمة السودانية ذات الأبعاد البنيوية والتاريخية، بل تُستخدم كأداة لتسجيل نقاط دبلوماسية سريعة في سياق الحملة الانتخابية وتلميع صورة الرئيس الأمريكي. وأشار إلى أن الإدارة الأمريكية الحالية تعاني من نقص واضح في الخبراء والمتخصصين في الشأن السوداني، نتيجة استبعاد عدد كبير من الدبلوماسيين المخضرمين بسبب تقليص الكوادر العاملة في وزارة الخارجية، وهو ما أضعف فرص التوصل إلى حلول مدروسة وفعالة.

وانتقد الخليفة اعتماد الإدارة الأمريكية على نهج الصفقات الذي يشتهر به ترامب، معتبراً أن هذا الأسلوب يهدد بإنتاج تسويات مشوهة تُقصي المدنيين وتكرّس هيمنة أمراء الحرب، مما يعمق الأزمة بدلاً من حلها. كما أعرب عن استغرابه من استبعاد الاتحاد الأفريقي ومنظمة الإيغاد والأمم المتحدة من الاجتماع المؤجل، معتبراً أن هذا الإقصاء يثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة المبادرة الأمريكية وأهدافها الحقيقية في الملف السوداني.

 

زر الذهاب إلى الأعلى