الأعمدة

حكومة العكو

عبدالواحد عبدالله عبدالواحد
العكو هي اللحمة أسفل الظهر، وتحديدا في المنطقة ما بين الظهر وتجويف البطن، وهي قريبة من بيت الكلاوي.
دائما ما تكون قليلة الدسم، ذات نكهة مميزة وطرية لخلوها من الشحوم المترهلة.
لكن العكو في السياسة السودانية لم تكن مصطلحا تشريحيا بقدر ما كانت توصيفا دقيقا للحالة الرمادية التي يعيشها الشعب، بين السلطة والفساد، بين الفهلوة والحكمة، بين الخطاب الوطني وصفقات اللحم المستخلص من صير الكادحين.
أول من استخدمها بهذا المعنى كان الأديب محمد محمد خير الجزار، الشهير بصاحب شواية البحر الأحمر في بورتسودان، والذي شغل لاحقا منصب مستشار رئيس الوزراء السيد كامل إدريس لشؤون صادر الضأن الحمري إلى براري كندا والبحيرات العظمى في أمريكا.
جاء ذلك المنصب تتويجا لمسيرته في تتبيل الخطابات العسكرية، ومزج الأدب بالسياسة كما يمزج الفلفل بالكمون على ضلوع التكنوقراط.
وقبل أن يتسلم السيد المستشار مهامه، اندلعت معركة أدبية حامية الوطيس بينه وبين الصحفي المخضرم حسين ملاسي.
تبادلوا فيها كل أنواع السجع والجناس والطباق… وحتى الأطباق.
لم يكن الهدف إثبات مواقف سياسية، بل إثبات أن ملاسي “أكال”، لا يشبع، ولا يملّ من لحس موائد الوزراء وأكابر القوم.
يتنقل (بشلاليفه) بين مقاهي القاهرة الراقية، يحتسي بكر القهوة في الحسين والتني في هيلتون رمسيس والنسكافيه والكابتشينو، دون أن يدفع، ودون أن يقدم فروض الولاء للمستشار.
بل يفرض نفسه على أي مائدة فيها بيت الكلاوي، ويختار قطعة العكو دون سواها.
وقد استخدم الطرفان ألفاظا من الأدب الجاهلي، وكأنها منازلة بين الفرزدق وجرير، من بينها:
“أنت من إثنية منبتة، مقطوعة الأصل، لا جذور لك في جغرافيا الوطن، ولا مستقبل لك في سودان العكو.”
وخرجت صحيفة (البندقية)، في عددها الأسبوعي، بعنوان كبير:
“ملاسي بين الضأن والكلاوي: طباخ السلطة أم ضحية نار الشواية؟”
أما حكومة العكو، فقد تشكلت لاحقا في غفلة من الزمن.
تضم وزراء بدرجة خبير تتبيل لحوم، وراجم (بعاتي) ميت على ساحل البحر الأحمر، يلقب بالسيخوي الروسي، وتاجر الإبل الزعيم القبلي مصلح نصار وصاحب المناجم حارس معابد نجمة مناوي، وأمين بيت المال السيد جبريل إبراهيم.
كفاءات وطنية لا تخطئها العين.
وكلاء لتاتشرات تويوتا في صحراء شمال إفريقيا والسودان، ومعهم وكلاء وزارات من الكيزان، أسياد الجلد والرأس وكريم الاثاث .
تم تعيينهم بعد ما سمي بـ “تصحيح المسار”، من أربعة طويلة إلى واحد طويلة.
لا يميزون بين كبدة الحاشي والضأن الكباشي لكنهم يحفظون تقارير تحركات عائد الصادر عن ظهر قلب.
وكان شعار الحكومة:
“العدالة والحرية لنا ولسوانا… ما عدا في صحن العكو.”

زر الذهاب إلى الأعلى