الأعمدة

الذين قالوا للشعب الحسو كوعكم يلحسون اليوم تاريخهم خوفا من كلمة إرهاب

ياسر عثمان
-البرهان ، وينم الاسلاميين ورونا ليهم
-حسن أسماعيل ، مافي تنظيم في السودان اسمه الإخوان المسلمين
-عبدالماجد عبدالحميد، لا يوجد إيرانيين في السودان وينم
-نافع علي نافع ، لا علاقة لنا بالإخوان المسلمين نحن مؤتمر وطني
ما إن دق جرس الخطر واقترب شبح التصنيف بالإرهاب، حتى سقط القناع بسرعة مذهلة.. الحركة التي حكمت السودان ثلاثين عاما بقبضة من حديد، وملأت البلاد ضجيجا عن الجهاد والتمكين والكتائب العقائدية ، تحولت في لحظة واحدة إلى جماعة مذعورة تتبرأ من ايدلوجيتها و من نفسها، وتنكر تاريخها، وتفر من ماضيها كما يفر اللص من مسرح الجريمة، و كيوم الحشر العظيم حين يفر المرء من أخيه و أمه و ابيه .
يسأل البرهان ببرود مصطنع وينهم الإسلاميين؟ ورونا ليهم، سؤال يبدو وكأنه محاولة يائسة لمسح ثلاثين عاما من حكم المشروع الإسلامي الذي أقامه نظام الانقاذ ، وكأن السودان لم يعرف دولة التمكين، ولم تمتلئ مؤسساته بالموالين للحركة الإسلامية، ولم تتحول أجهزة الدولة إلى ذراع تنظيمية لمشروع سياسي واحد ، و لم يستشهد المعارضين في سجونهم و معتقلاتهم و بيوت اشباحهم.
و حتي حسن اسماعيل دبدوب إعلاميين الاسلاميين جاء ليكمل مسرحية الإنكار ،مافي تنظيم اسمه إخوان مسلمين في السودان، كده بكل بساطة… اختفى التنظيم الذي حكم البلاد ثلاثة عقود بقرار لغوي. اختفت البيعات والتنظيمات السرية والعلنية، واختفى التاريخ كله بجملة واحدة وشهادة حسن ..اختار الصحفي الاسلامي عبدالماجد عبدالحميد أن يخفف الحرج بطريقة أخرى، نافيا أي تدريب خارجي أو علاقة بإيران، ومؤكداً أن عناصر البراء تدربوا داخل السودان وعلى أيد سودانية… وكأن المشكلة كانت في الجغرافيا لا في الفكرة نفسها، فكرة تحويل الدين إلى ميليشيا، والوطن إلى ساحة تعبئة عقائدية.
لكن أكثر مشاهد هذا الانهيار إثارة للسخرية كان قيادة الحركة نفسها. فما إن ظهرت بوادر العاصفة حتى تسابق بعض قادتها إلى القفز من السفينة..تقدم امينها العام أحمد هارون باستقالة مرتبكة، في محاولة واضحة للهرب قبل أن يغرق المركب، بينما خرج نافع على نافع ببيان باهت يحاول فيه غسل يديه من التاريخ، وهو نفسه الرجل الذي خاطب السودانيين يوما بجبروت قائلا الداير يقلعنا يلحس كوعو..اليوم، لا أحد يطالبهم بلحس الكوع،لكن المشهد كله يبدو وكأنهم يحاولون لحس تاريخهم كامل… علهم يمحون بصماتهم قبل أن يبدأ الحساب.
الاسلاميون حكموا السودان بالنار والحديد، ملأوا السجون بالخصوم، والذين لم يترددوا في استخدام الدين كسيف سياسي، يقفون اليوم مذعورين أمام احتمال أن يوصموا بما صنعته أيديهم. فجأة صار التنظيم غير موجود، والكتائب غير معروفة، والرموز السياسية تتسابق إلى التبرؤ من تاريخها…إنه مشهد نادر في التاريخ السياسي،جبروت كان يملأ المنابر صراخا… يركع اليوم خوفا من تصنيف أمريكا التى قد دنا عذابها.
حركة كانت تفرض هيبتها بالقوة… تتلعثم الآن تحت ضغط الحقيقة..لكن المشكلة أن التاريخ لا يخاف مثلهم،والوقائع لا ترتجف مثل بياناتهم،والشعوب لا تنسى بسهولة..فالسودانيون يعرفون جيدا من حكمهم ثلاثين عاما، ومن بنى دولة التمكين، ومن زرع الكتائب العقائدية ، ومن حول الدين إلى درع سياسي وسلاح سلطوي، ومن قتل و حرق و اغتصب ، من أكل أموال اليتامي و الأرامل و المساكين ، و من حلل الحرام بفتوي من شيوخ السلطان ، وإنكار الحقيقة اليوم لن يغير شيئا.
بل ربما يكون هذا المشهد ــ بكل هذا الذعر والإنكار ــ هو الاعتراف الأكبر الذي لم يجرؤوا على قوله صراحة.

زر الذهاب إلى الأعلى