كتب: معاوية أبوالريش
في إضافة جديدة لمسيرته الفنية، يقدم الفنان المبدع عصام محمد نور أحدث أعماله الغنائية “شرع الفراشة”، في تجربة فنية تحمل توقيع مبدعين من أبرز الأسماء في المشهد الثقافي السوداني. تجمع هذه الأغنية بين إبداع الشاعر أبايزيد عبد الرزاق في صياغة الكلمات، وعبقرية الموسيقار الطيب التقلاوي في التلحين، لتقدم للجمهور عملاً فنياً راقياً يجسد روح الأصالة السودانية بحلة عصرية أنيقة.
يأتي هذا الإصدار الجديد ليعزز مكانة عصام محمد نور كصوت مؤثر في الساحة الغنائية السودانية، مؤكداً قدرته على اختيار النصوص والألحان التي تلامس وجدان المستمع وتحمل في طياتها عمق المعاني وجمال التعبير.
عمق النص وثراء المعاني: يتميز النص الذي أبدعه الشاعر أبايزيد عبد الرزاق بطبقات متعددة من المعاني، حيث يستطيع القارئ والمتلقي أن يجد فيه الفلسفة العميقة والصور الشعرية الأخاذة والحكمة الحياتية. يبدأ النص بدعوة مؤثرة للعيش وفق “شرع الفراشة”، وهي استعارة بليغة تحمل في طياتها دعوة للبحث عن الجمال والانجذاب نحو كل ما هو نقي وجميل في الحياة.
المفردة “ريدة” التي تتكرر عبر النص تحمل دلالة الحب في العامية السودانية، وقد وُظفت بطريقة فنية تجعلها محور النص ونقطة ارتكازه. الشاعر لا يكتفي بذكر الحب كمشاعر مجردة، بل يجسده من خلال عناصر الطبيعة المختلفة – المطر والسحاب والسنابل والريح – مما يخلق تناغماً بين الإنسان وبيئته الطبيعية.
البداية الفلسفية: منهج الفراشة في الحياة: يستهل أبايزيد عبد الرزاق قصيدته بتأسيس فلسفي عميق، مقترحاً على الإنسان أن يتخذ من الفراشة نموذجاً للعيش. هذا المنهج يقوم على البحث عن الجمال والانجذاب إليه، والعيش بخفة رغم إدراك قصر الحياة. في قوله “أهوى كل جميل تلاقي”، يدعو للانفتاح على الجمال أينما وُجد، بينما “أوفي للحظة المعاشة” تؤكد ضرورة العيش في الحاضر بكل وعي وحضور.
الحكمة البليغة “البدايات مهما طالت / للنهايات ديمة ماشة” تضع أمامنا حقيقة الفناء، مما يجعل الدعوة لاستثمار الوقت في الجمال أكثر إلحاحاً وأهمية.
المقطع الثاني: الطبيعة كفضاء للحب والجمال: “خلي عطر الريده فايح / والسحابه تسوق دعاشه”
“الريده” تعني الحب في العامية السودانية، فالشاعر يدعو لجعل عطر الحب فائحاً منتشراً، والسحابة تقود دعوتها ورسالتها للحب.”والمطر سائق ضفايرك / بيها طول افراحنا رااشه”
صورة شعرية جميلة تجعل من المطر سائقاً لضفائر المحبوبة، وبهذه الضفائر ترقص أفراحنا طوال الوقت. المطر هنا رمز للخصب والنماء والتجدد.
“والسنابل مايله تطرب / تحكي بي نشوه انتعاشه” السنابل (رمز الخير والعطاء) تميل وتتمايل في نشوة وانتعاش، حاكية قصة الفرح والحب.
“بين مدائن تصفو لينا / فيها نسمه ريدنا باشه” بين مدن تصفو وتنقى لنا، حيث نسيم حبنا عابر وماش، في إشارة إلى انتشار الحب وسريانه في كل مكان.
الحب كقوة كونية شافية: يتعمق الشاعر في استكشاف الحب كقوة تطهيرية وشفائية تتجاوز حدود المشاعر الفردية لتصبح طاقة كونية مؤثرة. “ريدة تمسح ريدة تفتح / فينا أبواب التصافي” تُبرز الحب كقوة قادرة على محو الأحزان وفتح أبواب التصافي والنقاء الروحي، مما يجعله أداة للشفاء النفسي والوجداني.
“ريدة كل ما قلوبنا تسرح / أصلو ما بتعرف تجافي” تؤكد خاصية الثبات والديمومة في الحب الحقيقي، فحتى عندما تشرد القلوب وتتوه في دروب الحياة، يبقى الحب صادقاً ثابتاً لا يعرف الجفاء أو الهجران.
في “فيها مغرومين بنفرح / فينا مصونة وعوافي” يرسم الشاعر صورة المحبين وهم يعيشون حالة من الغرام السعيد، محفوظين من آلام الحياة ومكابدها، معافين من أمراض القلب والروح.
المقطع يتوج بصورة جمالية رائعة: “ريدة لي أحلامنا مسرح / غنوة من أجمل قوافي”، حيث يُصبح الحب مسرحاً فسيحاً تتجسد عليه الأحلام وتتراقص، وأغنية عذبة من أعذب الألحان وأجمل القوافي الشعرية.
الحنين والتطلع نحو مستقبل مضيء:
يبدأ المقطع الختامي بلوعة الاشتياق العميق في “داير أشوف ريدتنا تاني / خضرة ما تفارق جروفه”، حيث تتجسد الرغبة الجارفة في رؤية الحب مرة أخرى، أخضر نضراً دائم الخضرة لا يفارق ضفاف الأنهار، في استعارة بليغة للديمومة والاستمرار والتجدد الأبدي.
“وغيمة بالأفراح تظلل / كل جراحتنا وتطوفه” تقدم صورة شاعرية مؤثرة تُظهر الأفراح كغيمة رحيمة تظلل الجراح النازفة وتطوف حولها بالرحمة والمواساة، حاملة معها بلسم الشفاء ونسيم الراحة.
الدعاء الوجداني يتجلى في “تبقى أرحب من فراقنا / ومن خصاماتنا وظروفه”، وهو تمنٍّ صادق وعميق بأن يكون الحب أوسع أفقاً وأكبر حجماً من كل ما يُفرق ويُباعد، من الفراق والخصومات والظروف القاهرة.
يختتم الشاعر تحفته بتمنية جميلة وخاتمة مؤثرة: “تبقى بيننا الريدة كلمة / ديمة متجانسات حروفه”، دعاء خالص بأن يبقى الحب كلمة ثابتة راسخة بيننا، متناغمة الحروف ومتسقة المعاني، تُكتب بحبر الوفاء وتُقرأ بلسان الصدق.
التميز في اللحن والأداء: براعة الطيب التقلاوي في التلحين: نجح الموسيقار الطيب التقلاوي في ترجمة ثراء النص الشعري إلى لحن يحاكي المشاعر ويجسدها. اللحن يتدفق بانسيابية تتماشى مع تدفق المعاني، حيث نجد صعوداً موسيقياً في لحظات الفرح والحب، وهدوءاً عذباً في المقاطع التأملية. التقلاوي أظهر مهارة في استخدام الآلات الموسيقية مع اللمسات العصرية، مما أنتج لحناً يحمل الأصالة دون أن يفقد طابعه المعاصر. الانتقالات اللحنية جاءت محسوبة ومتناغمة مع النبض الشعري للكلمات.
إتقان الأداء: صوت عصام محمد نور:
يكشف أداء عصام محمد نور في “شرع الفراشة” عن نضج فني واضح وقدرة متميزة على تجسيد المعاني. صوته ينساب عبر الكلمات بدفء وعمق، محملاً بالمشاعر الصادقة التي تصل مباشرة إلى وجدان المستمع.
التحكم في النبرات والتلوين الصوتي يظهر خبرة عصام وفهمه العميق للنص واللحن معاً. في المقاطع العاطفية نسمع حنيناً يتدفق عبر الصوت، وفي اللحظات الفلسفية نجد عمقاً وتأملاً يليق بجلال المعنى.
هذا الإصدار الجديد يضع عصام محمد نور في مقدمة الأصوات المتميزة في المشهد الغنائي السوداني، ويؤكد قدرته على تقديم أعمال تجمع بين الأصالة والجودة الفنية العالية.
تقف “شرع الفراشة” كعمل فني متكامل يشهد على تضافر مواهب ثلاثة من أبرز المبدعين في المشهد السوداني. الشاعر أبايزيد عبد الرزاق قدم نصاً شعرياً يحمل فلسفة عميقة للحياة والحب، والموسيقار الطيب التقلاوي ترجم هذه المعاني إلى لحن أصيل ومعاصر، والفنان عصام محمد نور جسد كل ذلك بصوت مفعم بالدفء والصدق.
هذا الإصدار الجديد لعصام محمد نور يؤكد مسيرته الفنية المتصاعدة ويضعه في مقدمة الأصوات المؤثرة في الأغنية السودانية المعاصرة. العمل في مجمله يمثل إضافة حقيقية للمكتبة الغنائية السودانية، جامعاً بين عمق التراث وروح العصر، وبين جمال الكلمة وسحر اللحن وقوة الأداء.
“شرع الفراشة” ليست مجرد أغنية، بل دعوة للعيش بجمال وحب، وتذكير بأن الفن الأصيل قادر على لمس أعماق النفس الإنسانية ونقل أسمى المشاعر والمعاني.
في زمن تندر فيه الكلمات الجميلة، تأتي “شرع الفراشة” لتذكرنا بأن الشعر والموسيقى ما زالا قادرين على إضاءة دروب الروح وإشعال شموع الأمل في القلوب.



