في زمن الجنون، يصبح الدم احتفالًا، والدمار بطولة، والصوت العاقل جريمة. هكذا بدأت الحكاية، وهكذا وجدنا أنفسنا أمام جوقة من المهللين لحرب لا يفقهون مسارها ولا يتخيلون فواتيرها. رفعوا رايات النصر قبل أن تبدأ المعركة، وأطلقوا أوصاف الخيانة على كل من دعا لإطفاء النار، حتى إذا اشتعلت وانفلت عقالها واتسع فتقها على الراتق، اكتشفوا أن الوحش الذي أطلقوه لا يعرف التفريق بين عدو وحليف.
الحروب، كالكائنات المتوحشة الجائعة، تبدأ بالتهام خصومها، لكنها حين لا تجد ما تأكله، تنقض على من أنجبوها وهللوا لها وصفقوا لنيرانها. في السودان، لم تكن حرب الخامس عشر من أبريل مجرد صراع مسلح بين طرفين، بل كانت حالة هوس جماعي غذّتها أصوات رفعت رايات “النصر” قبل أن تتساقط مدن وأرواح، وباركت الدمار وله غنت بهستيريا.
هؤلاء الذين عادوا من الغياب ليكبروا لهذه الحرب، أساءوا لكل من دعا إلى إيقافها، ودمغوا كل صوت عاقل يحاول أن يضيء بصيرتهم بأنها ليست كما يظنون. كانوا يرفضون حتى الاستماع إلى من يريد التنبيه الى أن الحروب، إذا أفتلت عقالها، تتشعب كالأخطبوط وتتشابك خيوطها حتى تغدو السيطرة عليها مستحيلة.
لقد كانوا يتغنون بمن أسموهم “صانعي الكباب”، يستمتعون بمشاهد أشلاء أبناء الناس وكأنها مشاهد احتفالية، لا تعنيهم هوية الضحايا ولا معاناتهم. لم يكن الأمر مقصورًا على طرف دون آخر؛ كان التلذذ بالموت مشتركًا، والحماس للدمار واحدًا. واليوم، بعدما عبرت “الدماء والأشلاء” حاجز الطرفين، وإمتد عمر الحرب لاكثر من عامين لم يجدوا النصر الذي بشروا به، ولا متعة استعادة الخرطوم كما تخيلوها، ولا شعرت نيالا ببهجة اعلان حكومتها كما ظنوا . كل شيء صار طعمه مرًا.
كانوا ينادون بتدمير الكباري والمباني، يبررون للمجنزرات التي تفتك بالشباب، ويقابلون أي دعوة صادقة لوقف الحرب بنظرات الاتهام وعبارتهم المفضلة: “خائن.. عميل”. واليوم، انقلبت المعادلة، واستبان من هو العميل ومن هو الوطني، ومن كان يتاجر بدماء الناس ومن كان يحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
بعضهم أفاق، ربما متأخرًا، واستفاد من درس الحرب، بينما آخرون لا يزالون في كبريائهم الأجوف، يواصلون المكابرة وكأن الدماء أنهار ماء، وكأن الجوعى أطفال في حكاية لا تخصهم. لكن الحقيقة أن أرواح من أزهقت تلاحقهم، وعيون الجوعى تحدق فيهم ببرود قاتل، وعيون الأطفال المذعورة تطاردهم في كل حلم ويقظة.
إن هذه الحرب، التي ظنوا أنهم قادرون على التحكم بمسارها، أثبتت أنها وحش بلا سيد، وأنها حين شبعت من أعداء الأمس، بدأت تلتهم أبناءها بلا رحمة.. وكل يوم سيكتشفون اي خطيئة ارتكبوها في حق هذا الوطن وهنا لا استثني منكم
احدا
#حرب_الندامة
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية



