الأعمدة

ضربة الحيمودي الجزء الأول: عندما تصبح كرة القدم مسرحاً للمأساة

د. كمال محمد الامين عبد السلام
هناك لحظات في الحياة تبدأ عادية كشربة الماء في الصباح، ثم تنتهي كالزلزال الذي يهز الأرض من تحت أقدامك. هكذا كانت تلك المباراة بين الهلال السوداني والترجي التونسي في استاد الهلال.
كنت جالساً في المقصورة، أراقب المشهد كما يراقب الطبيب مريضاً في العناية المركزة. كان الهواء مشحوناً بالتوتر، والأنفاس محبوسة، والقلوب تخفق بإيقاع أسرع من عقارب الساعة. الشوط الأول يجري بصعوبة بالغة على الهلال، كأن اللاعبين يجرون في رمال متحركة.
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان… ضربة جزاء واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار، لكن الحكم الجزائري الحيمودي أشاح بوجهه عنها كأنه لم يرها. في تلك اللحظة، رأيت رئيس نادي الهلال ينهض من مقعده كالبركان الذي يوشك على الثوران.
خرج من المقصورة قبل انتهاء الشوط الأول بعشر دقائق، والغضب يشتعل في عينيه كنار الجحيم. كان وجهه أحمر كالطماطم، وقبضتاه مشدودتان كأنهما تحملان ثقل العالم.
أما أنا، فقد نزلت إلى الحمام قبل انتهاء الشوط بدقائق معدودة، وهناك… في الممر المؤدي إلى الغرفة الرئيسية، شاهدت منظراً لن أنساه ما حييت: الرئيس جالس، وأحدهم يقيس له ضغط الدم، كأنه مريض في قسم الطوارئ وليس رئيساً لنادٍ في مباراة كرة قدم.
عدت إلى المقصورة والأسئلة تدور في رأسي كالدوامة: كيف يمكن لمباراة كرة قدم أن تحول رجلاً إلى هذا الحال؟
وعندما انتهى الشوط الأول، دخل الحيمودي إلى الصالة… وهنا بدأت الفصول الحقيقية من هذه المأساة الكروية.
كان يتحدث مع أحد لاعبي الترجي بأريحية مريبة، كأنهما صديقان قديمان يتبادلان أطراف الحديث في مقهى شعبي. لكن هذا المشهد البريء في ظاهره، كان القشة التي قصمت ظهر البعير.
عندما أبلغ أحد الإداريين “البرير” بما يحدث، خرج الرجل من مكانه كالأسد الجريح… ووقع ما لا يُصدق.
لكمة واحدة… من النوع الثقيل… “أبو كديس” كما يقولون في السودان. لكمة حولت مباراة كرة قدم إلى حلبة ملاكمة، ونزهة رياضية إلى فضيحة دولية.
وهكذا، في لحظة واحدة، تحول الحيمودي من حكم مباراة إلى بطل حكاية… حكاية سأكملها لكم غداً، لأن ما حدث بعدها يحتاج إلى نفس أطول، وقلم أقوى، وذاكرة أكثر تحملاً لتفاصيل لا تُصدق —

زر الذهاب إلى الأعلى