الأعمدة

” عندما تصطدم الدعاية بالحقائق: تفكيك ادعاءات الجيش السوداني بشأن إسقاط الطائرة الإماراتية”

#image_title

#image_title
كتب: معاوية أبوالريش
في عصر الشفافية الرقمية والمراقبة الدولية المتقدمة، لم تعد الادعاءات الإعلامية قادرة على البقاء في فقاعاتها المحلية دون مواجهة التدقيق العلمي والتقني الصارم. وتقدم قضية ادعاء الجيش السوداني إسقاط طائرة إماراتية تحمل مرتزقة كولومبيين نموذجاً مثالياً على كيفية انهيار الروايات المفبركة تحت وطأة الفحص الدقيق والمعايير المهنية الدولية.
لقد بدأت هذه القصة كما تبدأ معظم حملات التضليل الحديثة، بإعلان مدوٍ عبر وسائل الإعلام الرسمية السودانية (تلفزيون السودان ) يزعم تدمير طائرة إماراتية في مطار نيالا، مع الادعاء بمقتل أربعين مرتزقاً كولومبياً. لكن ما لم تدركه الجهات المسؤولة عن هذا الإعلان أن العصر الحالي يتطلب مستوى من الأدلة والبراهين لا يمكن تجاهله أو التلاعب به بسهولة.
إن أول ما يثير الشكوك في هذه الرواية هو الغياب التام للأدلة المادية الأساسية التي يفترض أن تصاحب حادثاً بهذا الحجم. فتدمير طائرة تحمل أربعين شخصاً يُفترض أن يخلف حطاماً واضحاً، وبقايا بشرية قابلة للتحديد، وآثار انفجار موثقة بالصور والفيديو. لكن الجانب السوداني لم يقدم أي صورة واحدة للحطام، ولا تفاصيل عن نوع الطائرة، ولا معلومات عن هوية الضحايا المزعومين. هذا الغياب الكامل للأدلة المادية يتناقض جذرياً مع الطبيعة الفيزيائية للحدث المزعوم.
الأمر الأكثر إثارة للانتباه هو التناقضات الزمنية الواضحة في الرواية السودانية. فبينما يزعم الإعلام الرسمي السوداني أن الحادث وقع في السادس من أغسطس 2025، تشير السجلات والتوثيقات السابقة إلى أن مطار نيالا شهد فعلاً أحداث تدمير لطائرات، لكن في تواريخ مختلفة تماماً. فعلى سبيل المثال، وثقت جامعة ييل من خلال صور الأقمار الصناعية تدمير طائرة في مطار نيالا في الثالث من مايو 2025، وليس في التاريخ المزعوم. هذا التضارب الزمني يشير إلى احتمال إعادة تدوير أحداث سابقة وإسباغ تفاصيل جديدة عليها لخدمة أغراض دعائية.
من الناحية التقنية، يكشف فحص أنظمة تتبع الطيران المدني عن تناقضات صارخة في الرواية السودانية. فأنظمة المراقبة الجوية الحديثة مثل Flightradar24 وAirNav Radar تتابع حركة الطيران في المنطقة بدقة عالية، ولم تسجل أي بيانات تدعم وجود طيران مدني أو عسكري إماراتي في المنطقة في التاريخ المزعوم. هذه الأنظمة، التي تعتمد على تقنيات ADS-B والرادار الثانوي، تغطي المجال الجوي السوداني وتحتفظ بسجلات دقيقة لكافة حركات الطيران. غياب أي إشارة إلى الطائرة المزعومة في هذه الأنظمة يطرح تساؤلات جوهرية حول مصداقية الحدث برمته.
لقد جاءت ردود الأفعال الدولية لتكشف المزيد من التناقضات في الرواية السودانية. فالرد الإماراتي الرسمي، الذي وصف الادعاءات بأنها “مزاعم باطلة تماماً خالية من أي أساس في الأدلة” و”مناورات إعلامية هزيلة”، لم يواجه بأي رد مدعوم بالأدلة من الجانب السوداني. هذا الصمت السوداني في مواجهة النفي الإماراتي القاطع يعكس عجزاً واضحاً عن تقديم أي دليل يدعم الادعاءات المطروحة.
الأمر الأكثر إحراجاً للرواية السودانية هو الطريقة التي تعامل بها الرئيس الكولومبي غوستافو بيترو مع الحادث. فبدلاً من إدانة العمل العسكري ضد مواطنيه، كما كان متوقعاً في حالة صحة الرواية، اكتفى بطلب التحقق من الأعداد وإمكانية استرداد الجثث. هذا الموقف المتحفظ من الرئيس الكولومبي يشير إلى عدم وجود معلومات مؤكدة لديه حول فقدان مواطنين كولومبيين في الحادث المزعوم، مما يقوض الرواية السودانية بشكل كبير.
إن تحليل السياق الأوسع للادعاءات السودانية يكشف عن نمط واضح من المبالغة والتهويل. فالسلطات السودانية تدّعي امتلاك “أدلة قاطعة لا تقبل الجدل” على تجنيد الإمارات لمرتزقة كولومبيين، لكنها ترفض الكشف عن هذه الأدلة أو تقديمها للجمهور أو للمنظمات الدولية. هذا التناقض بين الادعاء بامتلاك الأدلة والرفض المستمر لعرضها يثير شكوكاً جدية حول وجود هذه الأدلة أصلاً.
من ناحية أخرى، تكشف مراجعة التقارير الأممية السابقة عن تناقضات مهمة في الرواية السودانية. فبينما أكدت تقارير الأمم المتحدة وجود مرتزقة كولومبيين في دارفور، إلا أن هذه التقارير لم تتطرق إلى تفاصيل النقل الجوي المزعوم أو الدور الإماراتي المباشر في هذا النقل. التقارير الأممية تشير إلى وجود هؤلاء المرتزقة دون تحديد آليات وصولهم أو الجهات المسؤولة عن نقلهم، مما يجعل الربط بين وجودهم والطيران الإماراتي مجرد افتراض غير مبرهن.
إن الفحص الدقيق لتاريخ مطار نيالا يكشف عن معلومات مهمة تتعارض مع الرواية السودانية الحالية. فالمطار، الذي تسيطر عليه قوات الدعم السريع منذ 2023، شهد فعلاً عدة هجمات جوية من قبل الجيش السوداني، لكن هذه الهجمات كانت موثقة ومؤرخة بدقة. على سبيل المثال، وثقت منظمة Human Rights Watch سلسلة من الهجمات الجوية على نيالا في فبراير 2025، مع تفاصيل دقيقة عن أنواع القنابل المستخدمة والأضرار الناجمة. هذا المستوى من التوثيق والدقة غائب تماماً في الحادث المزعوم في أغسطس.
لقد كشفت هذه القضية أيضاً عن مستوى مثير للقلق من الارتجال في الإعلام الرسمي السوداني. فالطريقة التي تم بها الإعلان عن الحادث، دون تحضير للأسئلة المتوقعة أو وضع استراتيجية للتعامل مع التدقيق الدولي، تعكس مستوى من العشوائية يتناقض مع أهمية الموضوع. هذا الارتجال واضح من خلال الصمت المطبق الذي ساد بعد الإعلان الأولي، وعدم القدرة على الرد على الأسئلة البسيطة حول تفاصيل الحادث.
إن الأمر الأكثر إثارة للانتباه هو الطريقة التي تعاملت بها المؤسسات الإعلامية الدولية مع هذه القضية. فبدلاً من الاكتفاء بنقل الخبر كما فعلت وسائل الإعلام المحلية، سارعت المؤسسات الإعلامية الدولية إلى طرح أسئلة جوهرية حول الأدلة والتفاصيل. هذا التباين في المعايير المهنية يعكس الفجوة الواسعة بين الممارسات الإعلامية المحلية والمعايير الدولية، ويفسر لماذا انهارت الرواية السودانية بسرعة في مواجهة التدقيق الدولي.
من الناحية القانونية والدبلوماسية، تثير هذه القضية تساؤلات جدية حول المسؤولية المؤسسية في الدولة السودانية. فالإعلان عن قتل أربعين مواطناً أجنبياً يُفترض أن يكون مدعوماً بتنسيق كامل بين الخارجية والدفاع والإعلام، مع وضع خطة شاملة للتعامل مع ردود الأفعال الدولية. غياب هذا التنسيق واضح من الطريقة المتخبطة التي تُعومل بها مع تصاعد الأزمة وتدهور الموقف السوداني أمام المجتمع الدولي.
إن ما حدث في هذه القضية يمثل درساً قاسياً في عواقب التقليل من شأن الذكاء الجماعي للمجتمع الدولي. فالذين وضعوا هذه الرواية اعتقدوا أنه بإمكانهم التحكم في السردية كما اعتادوا في الماضي، دون إدراك أن العالم اليوم مليء بالخبراء والمتخصصين القادرين على تفكيك أي ادعاء غير مدعوم بالأدلة. هذا التقدير الخاطئ للبيئة الإعلامية المعاصرة أدى إلى نتائج عكسية تماماً لما كان مخططاً له.
لقد أظهرت هذه القضية أيضاً مدى أهمية التقنيات الحديثة في كشف الادعاءات الكاذبة. فأنظمة تتبع الطيران، وصور الأقمار الصناعية، وقواعد البيانات الدولية، كلها أدوات أصبحت متاحة للجمهور العام وللصحفيين المحققين. هذه الأدوات تجعل من المستحيل تقريباً الادعاء بأحداث كبرى دون وجود آثار تقنية قابلة للتحقق، مما يفرض مستوى جديداً من الشفافية على كافة الأطراف.
إن الدرس الأهم من هذه الحادثة هو أن المصداقية في العصر الرقمي لا تُبنى بالادعاءات المدوية، بل بالشفافية والأدلة القابلة للتحقق. المؤسسات التي تحاول استخدام أساليب التضليل التقليدية ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع واقع جديد لا يتساهل مع المعلومات المشكوك فيها. وفي هذا الواقع الجديد، الصدق والشفافية ليسا مجرد خيارات أخلاقية، بل ضرورات عملية لأي طرف يريد الحفاظ على مصداقيته ونفوذه في المجتمع الدولي.

زر الذهاب إلى الأعلى