الأعمدة

في توقيت لا يخلو من الدلالات السياسية..اعتقال( المصباح ) في مصر يفتح باب التأويل على مصراعيه

أحمد_عثمان_جبريل.. يكتب:
وسط صمت رسمي (سوداني- مصري) ودون إعلان تُهم واضحة، لا تزال السلطات المصرية معتقلة (القيادي الاسلامي) المعروف، المصباح ابوزيد قائد “كتيبة البراء بن مالك” بعد دخوله إلى مصر بدعوى العلاج، وذلك في توقيت لا يخلو من الدلالة السياسية، إذ جاءت هذه الواقعة المثيرة للانتباه قبل أيام فقط من زيارة رئيس الوزراء كامل إدريس إلى القاهرة؛ ما يطرح أسئلة ملحة حول الخلفيات والتوقيت، وكذلك الدلالات الإقليمية لخطوة كهذه.. فتحت باب التأويل على مصراعيه.
الواقع أن لا أحد ينكر أن للمصباح، سيرة أمنية (مثقلة) إذ أنه يُعد أحد أبرز الوجوه المرتبطة بالتيارات الإسلامية الجهادية في السودان، وهو معروف في الأوساط المتابعة بصلاته التنظيمية والأيديولوجية مع فصائل (سلفية مسلحة) وقد سبق أن اعتُقل في المملكة العربية السعودية بعد مشاركته في تجمع لسودانيين قيل وقتها إنها كانت (ندوة سياسية) أُعدت له خصيصاً، وهي مخالفة صريحة لقوانين المملكة التي تمنع النشاطات السياسية في أراضيها، خاصة ذات الطابع الحركي.. لكن الرياض أطلقت سراحه بعد أسبوعين فقط، إثر تدخل رسمي سوداني على مستوى رفيع، ما يدل على حساسية الرجل وأهميته في بعض الدوائر السودانية.
ولكن ما أن تسمع أن مصر اعتقلت الرجل في اراضيها وهي التي دخلها بعلمها طلبا للعلاج، إلا يتبادر لذهنك سؤال موضوعي: لماذا؟ ثم تضيف معه ايضا .. ولماذا الآن؟
وفي الداخل السوداني، يردد اسلاميون في مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي، أن جهات داخل النظام لم تسميهم أوعزت للمصريين بإعتقاله في صراع كسر العظم داخل النظام، وقد كان ذلك واضحا بالتغريدة التي كتبها امين حسن عمر: ( إذا اعتقل المصباح في مصر فلا يزال هنا ألف مصباح ).. ولكن ما لا يعرفه هؤلاء أن القاهرة تشتهر بتشددها الأمني تجاه أي شخصية ذات ماضٍ جهادي أو إسلامي حركي، حتى وإن كانت زيارتها بدوافع إنسانية أو علاجية.
ومن جهة أخرى، لا يمكن فصل الاعتقال عن سياق العلاقات المصرية- السودانية، التي تشهد مرحلة إعادة تموضع سياسي وأمني، خاصة بعد وصول كامل إدريس إلى رئاسة الحكومة السودانية.. إذ أن توقيت الاعتقال جاء قبيل زيارة إدريس، ما يُظهره كرسالة سياسية ناعمة من القاهرة إلى الخرطوم تقول: “نريد موقفًا واضحًا من حكومتكم تجاه التيارات الإسلامية.. وملف الإسلاميين لن يُغلق بسهولة.”
و يتحدث عدد من المحللين السياسيين عن أن القاهرة باعتقالها للمصباح تحاول إختبار توجه حكومة كامل إدريس التي تسعى لتثبيت موقعها داخليًا وخارجيًا، ومصر، هل سيميل إدريس إلى بناء سياسة مستقلة، أم يصطف إلى جانب المحور المصري-الخليجي المتشدد في قضايا الأمن والإسلام السياسي؟ وان ردة فعل الحكومة السودانية على اعتقال المصباح ستُفسر باعتبارها مؤشرًا على بوصلتها السياسية والأمنية: فإذا طالبت بإطلاق سراحه، فستُتهم بالتراخي أو الخضوع لضغوط داخلية من التيارات الإسلامية.. وإذا تجاهلت الملف، فقد يُفهم ذلك كرسالة رضوخ للخطاب الأمني المصري، أو كضعف في الحضور السيادي.. وفي كل الأحوال يبدو أن النظام السوداني في موقف لا يحسد عليه خاصة في ظل تعرضها لضغوط جماعة كتيبة البراء التي تقاتل إلى جانب القوات المسلحة، لإطلاق سراح قائدها.
والواقع أن مصر تنظر بعين الريبة لأي حضور إسلامي منظم، خاصة إذا كان عابرًا للحدود.. وتتشابك هذه النظرة مع سياسات إقليمية تقودها القاهرة إلى جانب دول خليجية أخرى، تقوم على تصفية نفوذ الإسلاميين في دول الربيع العربي، وإعادة ضبط المجال السياسي على أسس “استقرار بلا إسلام سياسي”.
ومن هذا المنظور، قد لا يكون المصباح مجرد شخص، بل رمزًا لتيار يُراد عزله تمامًا من المجال العام السوداني، خاصة في ظل ما يُتداول عن عودة محتملة لبعض الوجوه الإسلامية إلى الساحة بعد تراجع قوة العسكريين.
ولكن السؤال ما مصير المصباح، وسط هذا التشباك الذي برز فجأة للسطح، هل سيتحول إلى ورقة تفاوض أم خطر أمني؟ .. يبدو وحسب المعطيات، لا تزال المعلومات ضئيلة بشأن ما إذا كانت السلطات المصرية تنوي الإفراج عن المصباح أو محاكمته، لكن الاحتمالات مفتوحة على مسارين: الإفراج القريب، إن تم، فسيكون على الأرجح نتاج تفاهم سياسي سوداني-مصري، أو صفقة غير معلنة مقابل ضمانات بعدم نشاطه مجددًا.. أما الاعتقال الطويل، فيعني أن القاهرة تعتبره خطرًا حقيقيًا أو ورقة مساومة في مفاوضات أوسع تشمل ملفات إقليمية (سد النهضة، التمدد التركي، أو الإسلاميين في شرق السودان).
اعتقال المصباح ليس واقعة عابرة، بل رسالة مزدوجة، الأولى الخارج والسودان تحديدا بأن
أي تساهل مع الإسلاميين ستكون له تبعات إقليمية.. أما الداخل المصري، فيشير إلى أن القاهرة لا تزال تمسك بزمام المبادرة في “مكافحة التطرف” حتى وإن كان عابرًا.
ولكن يبقى السؤال الأهم: هل تملك الخرطوم ما يكفي من الاستقلالية السياسية والسيادية للتعامل مع هذه القضية على أسس سودانية خالصة؟ أم أنها سترضخ لشروط الإقليم؟ الأيام القادمة، خصوصًا ما بعد زيارة كامل إدريس، ستُعطي إجابة أوضح.. الله غالب.
#أحمد_عثمان_جبريل
#المصباح_ابوزيد
#كتيبة_البراء_بن_مالك

زر الذهاب إلى الأعلى