الأعمدة

إلى الحكومة السودانية؟: دماء مواطنيكم تسيل في مصر وسفارتكم نائمة”

#image_title

#image_title

كتب: معاوية أبوالريش
شاهدت عبر منصة فيسبوك فيديو صادماً يهز الضمير الإنساني في أعماقه، لشاب سوداني يسقط على أحد الشوارع المصرية والدماء تسيل من رأسه وجسده كله. يحاول بصعوبة بالغة أن ينهض ويسير لكنه يسقط مجدداً، ثم ينهض مرة أخرى محاولاً المشي فيسقط مرة أخرى. حوله مجموعة من المصريين، لا أحد منهم يمد له يد العون أو يطلب الإسعاف لإنقاذ حياته، بل إن أحدهم يرفع صوته في الفيديو وهو يشتمه ويسيء إلى والدته.
هذا المشهد المؤلم والصادم يكشف حقيقة مرة عن واقع المواطنين السودانيين في مصر، وعن صمت سفارة بلادهم التي تتجاهل معاناتهم وكأنهم ليسوا من رعاياها. بينما يسقط هذا الشاب وتسيل دماؤه على الأرض المصرية، تبقى السفارة السودانية في القاهرة في غيبوبة تامة عن واجباتها الأساسية، وكأن حماية المواطنين السودانيين ليست من مسؤولياتها.
هذا الفيديو ليس مجرد حادثة معزولة، بل جزء من مأساة أكبر تتكشف فصولها يومياً في مصر، حيث يواجه السودانيون انتهاكات متكررة وسط صمت مطبق من التمثيل الدبلوماسي لبلادهم. السفارة التي من المفترض أن تكون البيت الآمن والحامي لمواطنيها في الغربة، تحولت إلى مجرد مبنى صامت لا يتحرك إلا للشؤون الإدارية الروتينية.
لا تقتصر المأساة على هذا الفيديو المؤلم، بل تتواصل حالات اختفاء السودانيين في مصر بشكل مخيف ومنتظم. تم الإبلاغ مؤخراً عن فقدان ثلاث فتيات سودانيات من عائلة واحدة، إضافة إلى طفل سوداني لم تتمكن أسرته من العثور عليه. هذه الحوادث ليست معزولة، بل جزء من نمط متكرر يطال السودانيين في مصر وسط تجاهل تام من السفارة السودانية.
تُعزى هذه الظاهرة المرعبة إلى الحملات الأمنية المتكررة في المدن المصرية، حيث يواجه السودانيون نقاط تفتيش أمنية أثناء تنقلهم. في كل مرة يختفي فيها مواطن سوداني، تلتزم السفارة الصمت المطبق وكأن الأمر لا يعنيها. أين السفارة من هذه الحالات؟ لماذا لا تتابع مصير المفقودين؟ لماذا لا تضغط على السلطات المصرية للكشف عن مصيرهم؟ لماذا لا تقدم الدعم القانوني لأسر المفقودين؟
من أولى واجبات أي سفارة توفير الحماية القنصلية لمواطنيها في الخارج. يشمل ذلك المتابعة الفورية للحوادث كالتي شاهدناها في الفيديو، حيث يجب على السفارة التحرك فوراً للتأكد من حصول هذا المواطن السوداني على العلاج المناسب ومتابعة حالته الصحية. كما تشمل هذه الواجبات التدخل العاجل في حالات الاختفاء والضغط على السلطات المحلية للبحث عن المفقودين والكشف عن مصيرهم، إضافة إلى تقديم المساعدة القانونية للمواطنين الذين يواجهون مشاكل أو يتعرضون للانتهاكات.
كذلك مطالبة السفارة برفع صوتها دبلوماسياً والتواصل مع السلطات المصرية على أعلى المستويات لضمان حماية الرعايا السودانيين من الانتهاكات، وتحسين ظروف معيشتهم وإقامتهم، وضمان عدم تعرضهم للتمييز أو المضايقات، والمطالبة بتحقيقات جدية في حالات الاختفاء والاعتداءات.
لكن الواقع المؤلم يكشف عن سفارة تتنصل من مسؤولياتها بشكل مخزٍ. الأوضاع الصعبة التي يعيشها السودانيون في مصر دفعت بعضهم للتوجه إلى سفارة بلادهم آملين الحصول على دعم، ولكن لا حياء لمن تنادي.
هذا النمط من التجاهل والتقاعس يكشف عن نظرة السفارة للمواطنين السودانيين كأعباء وليس كأشخاص لهم حقوق يجب حمايتها.
تقاعس السفارة السودانية في القاهرة عن أداء واجباتها يعكس ضعفاً في الإرادة السياسية لدى الحكومة السودانية في التعامل مع ملف مواطنيها في الخارج. الحكومة منشغلة بالحرب الداخلية وتتجاهل معاناة مواطنيها في المهجر. كما تعاني السفارة من البيروقراطية المفرطة والتركيز على الإجراءات الروتينية على حساب الحالات الطارئة والإنسانية، فموظفوها يفضلون البقاء في منطقة الأمان وتجنب أي مواجهة مع السلطات المصرية.
المطلوب الآن تحرك عاجل من السفارة السودانية للتحقق من حالة الشاب الذي ظهر في الفيديو ومتابعة علاجه، وفتح ملفات جميع المفقودين والضغط على السلطات المصرية للكشف عن مصائرهم، وإصدار بيانات واضحة وحازمة تجاه الانتهاكات التي يتعرض لها السودانيون. يتطلب الأمر أيضاً إعادة هيكلة القسم القنصلي وتطوير آليات التعامل مع الحالات الطارئة، وإنشاء خط ساخن للتواصل مع المواطنين في حالات الطوارئ، والتنسيق مع منظمات حقوق الإنسان لحماية السودانيين.
الدماء التي سالت من رأس ذلك الشاب السوداني على الأرض المصرية ليست مجرد حادث عابر، بل رمز لدماء كل سوداني يعاني في صمت بعيداً عن وطنه، بينما تتجاهل سفارة بلاده معاناته وكأنه ليس من مواطنيها. السفارة التي لا تحمي مواطنيها، والتي تلتزم الصمت تجاه انتهاك حقوقهم، والتي تتنصل من مسؤولياتها الأساسية، هي سفارة فاقدة لأهم أسباب وجودها.
صمت السفارة السودانية في القاهرة تجاه معاناة رعاياها يضعها في موقف المتواطئ مع من ينتهك حقوق مواطنيها. هذا الصمت لا يمكن تبريره بأي ظرف من الظروف، لأن حماية المواطنين واجب مقدس لا يسقط بالتقادم أو بضعف الإمكانيات. السفارة ليست مجرد مبنى لختم الجوازات وإنجاز المعاملات الإدارية، بل هي البيت الذي يلجأ إليه المواطن عندما تشتد به المحن في الغربة.
هذه رسالة مفتوحة لكل مسؤول في القيادة السودانية: دماء هذا الشاب السوداني، ودموع أسر المفقودين، ومعاناة كل سوداني في مصر، ستبقى وصمة عار في جبين الدولة السودانية ما دامت سفارتها تلتزم الصمت المخزي تجاه واجباتها الإنسانية والوطنية. متى ستستيقظ هذه السفارة من غيبوبتها؟ متى ستتحمل مسؤولياتها تجاه من يفترض أنها تمثلهم؟
الدم السوداني ليس رخيصاً، والكرامة السودانية ليست للمساومة، والمواطن السوداني يستحق الحماية والدفاع عن حقوقه، وهذا واجب الدولة قبل أن يكون حقه. استمرار هذا التجاهل والتقاعس سيجعل كل مسؤول في الحكومة السودانية شريكاً في الجريمة التي تُرتكب ضد مواطنيه في الخارج.

زر الذهاب إلى الأعلى