#أحمد_عثمان_جبريل..
#يكتب
بعد عودته إلى بوغوتا بفترة قصيرة، كتب الصحافي والأديب غارسيا ماركيز، نصاً قصيراً عن أفكاره بخصوص دور الصحافة في المجتمع.. فاعتبر أن عمل الصحفي الإخباري لا يقتصر على نقل الحقائق والمعلومات، بل يجب أن يمتدّ إلى البحث والتقصي لما وراء الخبر، والتوثيق والمشاركة في النقاشات الجماعية المتعلقة بالأحداث، وأضاف أن هذه عادة بشرية بدأت منذ الأزل.. ثم كتب مازحاً “من دون شك أن أول خبر مثير بعد بدء الخلق كان نفي آدم وحواء من الجنة”. ثم تصور عملية نقل خبر نزولهما إلى الأرض كما لو كان خبراً في صفحة الجرائم : “تفاحة تتسببُ في مأساة”.
كصحافيين ووفقا لماركيز، نبذل جهدنا لتسليط الضوء على العتمة داخل دهاليز سلطة حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، ودائما ما نلاحظ أن الأمور تُدار هناك وفق منطق الصفقات والترضيات، لا الكفاءة والقدرة .. وتجربة وزير الإعلام خالد الأعيسر تُعد مثالاً صارخاً على ذلك.
فالرجل، الذي تسلّم منصب وزير الثقافة والإعلام والسياحة في حكومة كامل إدريس، لم يكن الخيار الأول للبرهان، بل جاء كحل طارئ بعد اعتذار عدد من الاسماء آخرهم الأستاذ أحمد القرشي، الصحافي وكبير رؤساء التحرير في اخبار قناة العربية عن تولي المنصب..
ولأن الضرورات تُبرر الاختيارات، وجد ( الأعيصر ) نفسه في واجهة لوزارة غادر كرسيها التنفيذي لبعضة أسابيع، ثم عاد ليحمل ذات الحقيبة الإعلامية في بلد يشتعل إعلامه بالبيانات، والإشاعات، والميليشيات الرقمية، والصراع على الرواية في القنوات، وهو مجال، للإنصاف، لا يجيد الرجل غيره، فقد بنى صورته الإعلامية منذ سنوات على الظهور والتعليق والخطابة في القنوات الإخبارية.. لكن المفارقة كانت صادمة: فبعد وقت قصير من توليه المنصب، تم سحب البساط من تحت قدميه إعلامياً، بإعفائه من مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة.. وهو ما يبرز سؤالا استقصائيا مهما لماذا كمم البرهان فمه؟ .
في 17 يوليو 2025، صدر قرارا قيل أن البرهان يقف خلفه، فصل مهام الناطق الرسمي عن وزارة الإعلام، وهي خطوة لا يمكن قراءتها خارج إطار “الهندسة السياسية” التي يمارسها الفريق البرهان؛ فالرجل لم يكتفِ بتحجيم صوت الوزير من التصريحات في القنوات الإخبارية كما اعتاد سابقا، بل (كمّم فمه تماماً) تاركاً له هامشاً ضيقاً في العمل التنفيذي، والاستشارة البروتوكولية لدى رئيس الوزراء، وقد مارس (الاعيصر) ذلك عمليا في زيارة كامل إدريس للقاهرة، امس الاول، كأن لسانه قد صار عبئاً على الحكومة بدلاً من أن يكون أداةً لها.
ومن هنا، يصبح السؤال مشروعاً: لماذا أُسندت وزارة الإعلام لرجل لا يُراد له أن يتحدث؟ وهل المطلوب من الوزراء أن يكونوا أدوات صامتة تُمرّر بها القرارات، أم رجال دولة قادرين على التعبير والمواجهة؟
يبدو إن الإعفاء من صفة الناطق الرسمي لم يكن قراراً إدارياً عادياً، بل رسالة سياسية واضحة من البرهان، ربما مفادها: “هذا ليس وقت الحديث”.. ما يعني أن حكومة (البرهان–إدريس) تبدو وكأنها تريد وزراءً على هيئة “كمبارس” يقفون في خلفية المشهد، بينما تُدار الأمور الحقيقية في غرف أخرى.
وإذا كان خالد الأعيسر قد اختير (اضطراراً) فإن سكوته أصبح ضرورة.. إذ أن القرار يعني بصريح العبارة: كلما ارتفع صوتك زاد الحرج في مربع اتخاذ القرار، الذي لا يتحمل كثيراً من الضوء ولا الضوضاء و الشفافية.
إن الناظر لهذه الخطوة بعين فاحصة، لا شك فإنه سيراها تعكس أيضاً توجهاً سلطوياً مألوفاً في الأنظمة العسكرية الشمولية و الانتقالية، التي ترغب في احتكار الرواية، ومنع أي صوت قد يسبقها إلى الميكروفون، حتى ولو كان من داخل مؤسساتها.
ولكن ووفقا لهذا المنع السيادي، هل تبقّى (للأعيصر) ما يُقال؟ .. ربما سيُكمل مدته في الوزارة كمشرف على المتاحف والمهرجانات، وربما يكتفي بتقارير شهرية إلى رئاسة الوزراء.. لكن تبقى الحقيقة المُرّة : الرجل الذي اعتاد أن يمارس هوايته بالتحدث للقنوات، قد وجد نفسه فجأة يُطلب منه أن يصمت.. ما يعني ان البرهان اختار ان تكون المرحلة المقبلة.. مرحلة الصوت الواحد، او حتى بدون أي صوت .
إن ما حدث مع (الأعيصر) ليس مجرد تعديل وظيفي، بل تجسيد فج لمعركة السيطرة على الصوت في السودان. فإذا كانت الحكومة تخشى لسان وزير إعلامها، فبمَ تطمئن الناس؟ وإذا كان رجل الإعلام يُقصى من الحديث، فما الذي تبقى للمشهد سوى الصمت المدجن؟ .. ولكن في النهاية، يبقى السؤال معلقًا:
هل تغييب (الأعيصر) عن منصة الحديث خطوة لإصلاح الأداء، أم بداية مرحلة إعلامية جديدة تُدار بأشحاص آخرين من خلف الستار؟.. الله غالب.



