عقب اتهامات تأمر على خلفية إعتقال المصباح .. البرهان ومسعد بولس في سويسرا .. تسريب سياسي أم اختراق دبلوماسي خفي؟
الأستاذ أحمد_عثمان جبريل يكتب:
بينما يُطبق الحصار على مدينة الفاشر، وتُعاني العملية السياسية السودانية من انسداد شبه كامل في الافق، راجت منذ هذا الصباح، أنباء عن لقاء “سري” يجري الآن في سويسرا، يجمع الفريق عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، مع مسعد بولس، مبعوث الرئيس الأميركي للسلام في السودان، ورغم غياب أي تأكيد رسمي لهذه الرواية، فإن مجرد تداولها يطرح تساؤلات عميقة: من يقف وراء تسريبها؟ وما أهدافها؟ وإذا ما صح اللقاء، فما هي دلالاته في المشهد الإقليمي والدولي المعقد؟ ..
الواقع أنه وحتى لحظة كتابة هذا المقال، لم يصدر أي بيان رسمي من مكتب البرهان، أو من الإدارة الأميركية، يؤكد أو ينفي هذا اللقاء .. ولكن في الأعراف الصحافية والسياسية، فإن عدم النفي، قد يكون بحد ذاته مؤشراً على صحة الحدث، أو على الأقل على وجود اتصالات غير معلنة تجري بعيداً عن الأضواء.
في المقابل، قد يكون الأمر مجرد تسريب إعلامي أو فبركة هدفها (خبيث) وهو أن جهة ما توظيف المشهد لصالح جهة سياسية ما.. والسؤال هنا: ما مصلحة هذه الجهات في بث هذا النوع من الأخبار في هذا التوقيت الحرج؟ .. ومن يقف وراء هذا التسريب؟ ولماذا الآن؟ .
أعتقد أنه يمكن تحليل سيناريوهات التسريب من خلال زاويتين: الأولى أن جهة قريبة من البرهان، أو داعمة له دولياً، تريد إرسال رسائل إلى الداخل والخارج بأن الرجل لا يزال رقماً صعباً في المعادلة الإقليمية، ويحظى بدعم أو قبول أميركي غير معلن.. وهذا قد يُستخدم لرفع معنويات أنصاره أو للضغط على خصومه السياسيين.
أما الجهة الثانية، فهي خصوم البرهان – مدنيين أو عسكريين ربما سعوا إلى إحراجه من خلال ترويج لقاء كهذا، ليوحوا بأنه يُجري تفاهمات خارج الإطار الوطني، خصوصا في ظل حصار مدينة الفاشر، ومعاناة آلالاف المواطنيين هناك من آثاره بعد ما بدأ يفتك بهم جوعا .. أو من يسعى إلى صفقة شخصية بعيداً عن مسارات الحل السياسي الشامل.
ولكن ماذا لو كان اللقاء المحتمل.. حقيقة وليس تكهنات.. ماذا يعني؟
الواقع، أنه إذا ما صحّت الأخبار التي يروج لها بشده في وسائل التواصل الاجتماعي، فإن اللقاء يحمل دلالات استراتيجية كبيرة: اولا يمكن وضعها في اطار محاولة أميركية جديدة، لإعادة تنشيط الدور الأميركي في ملف السودان، خارج منبر جدة التقليدي.. وهذا ربما يشير إلى إحتمال بروز صيغة تفاوضية جديدة، تشمل دعماً دولياً أكبر وضغوطاً على طرفي النزاع لوقف الحرب، خاصة في ظل كارثة الفاشر الإنسانية الحاضرة في اضابير المجتمع الدولي الآن.
كما أنها تشير أيضا إلى رسالة تطمين للغرب من جانب البرهان بأنه لا يزال حليفاً مقبولاً في ملف الإرهاب والهجرة غير الشرعية، في وقت تزداد فيه المخاوف من تحول السودان إلى بؤرة إقليمية للفوضى.
ولكن الأهم من كل ذلك، فإن كل ما قيل يعني تزامنا مثيرا مع تطورات داخلية، غير حصار الفاشر، وهي إتهامات بدأت منذ أمس يروج لها تيار إسلامي متشدد داخل تنظيم المؤتمر الوطني، ضد جهات وصفها “بالمتآمرة” ولكنه لم يُسمّها – وذلك على خلفية اعتقال المصباح أبوزيد قائد كتيبة البراء بن مالك التي تقاتل إلى جانب الجيش، من قِبل المخابرات المصرية، ما يُشير إلى توتر مكتوم بين أطراف اسلامية متحالفة مؤيدة للجيش، وتقاتل بجانبه.
هذه المعطيات، ربما تطرح احتمال أن تكون هذه التسريبات محاولة لإعادة ترتيب المشهد داخلياً، أو لتوجيه الأنظار بعيداً عن الأزمات الحقيقية التي يعانيها التحالف الحاكم فعلياً في السودان.
بقى ان نقول، أنه وفي ظل كل هذا الغموض، يظل اللقاء المزعوم بين البرهان ومسعد بولس، ملفاً مفتوحاً على الاحتمالات، لكن المؤكد أن مجرد تداوله بهذا الشكل الكثيف هو فعل سياسي مقصود، سواء كان حقيقة أو شائعة ذكية، فإن من أطلقه يدرك جيداً أن الصراع في السودان لم يعد محلياً فقط، وأن المعركة على الرأي العام الدولي لا تقل أهمية عن المعارك في الميدان.
وبغض النظر عن حقيقة اللقاء، فإن تسريب أنباء من هذا النوع في هذا التوقيت له مغزى سياسي بليغ؛ فالسودان اليوم لم يعد فقط ساحة صراع محلي بين طرفين مسلحين، بل أصبح عقدة جيوسياسية تتداخل فيها مصالح قوى إقليمية ودولية، من القاهرة إلى أبوظبي، ومن واشنطن إلى موسكو.
وتُظهر مثل هذه التسريبات – إن لم تكن صحيحة – أن أطرافًا ما تُجيد اللعب على وتر العلاقات الدولية لتكريس نفوذها أو لتوجيه رسائل غير مباشرة إلى خصومها.
أما إذا صحّ اللقاء بالفعل، فإنه قد يمثل بداية تحرك دبلوماسي مختلف تقوده الولايات المتحدة بعيداً عن النمط التقليدي الذي لم يُنتج حتى الآن سوى المزيد من الجمود.
وبين الحقيقة والدعاية، تظل المعاناة الإنسانية في الفاشر ومناطق أخرى هي الثابت الوحيد، في وقت يتنافس فيه اللاعبون على كسب جولة تفاوضية لم تبدأ بعد.. إنا لله ياخ .. الله غالب .
#أوقفوا_الحرب
#القوات_المسلحة_السودانية
#الدعم_السريع
#المؤتمر_الوطني
#كتيبة_البراء_بن_مالك



