بقلم / خضر عطا المنان
وهي الحكاية التي كدت أن أفقد روحي في مصر بسببها لولا لطف الله علي ووقوف أستاذي الراحل العظيم عضو المنظمة الدولية لحقوق الإنسان والقانوني الضليع ( فاروق أبوعيسى ).
والحكاية بإختصار شديد ياسادتي حدثت بعد مغادرتي دولة الامارات العربية المتحدة عام ١٩٩٥ لاجئاً سياسياً عبر منظمة الأمم المتحدة بسبب سحب السفارة السودانية ( سفارة عصابة المتأسلمين بأبوظبي ) جواز سفري السوداني عندما ذهبت إليها بغرض تجديده ..والسبب كما قال لي المسؤولون في السفارة أنني أسيء للسودان وحكومته في مقالاتي الراتبة في صحيفة ( الخليج ) الإماراتية عبر صفحة كنت قد أنشأتها معارضةً لعصابة الخرطوم أسميتها
(شؤون سودانية ) .
وصلت أوروبا (العاصمة الدنماركية كوبنهاجن ) وبحثت عن صحيفة عربية هنا في أوروبا لمواصلة مقالاتي .. ووجدت أقرب صحيفة حرة وغير مؤدلجة أو تابعة لحكومة في عالمنا العربي كما هو الحال مثلاً مع صحف ( الشرق الأوسط ) و( الحياة ) و ( الزمان ) .. كانت تلك الصحيفة هي (القدس العربي ) التي تصدر في لندن وتوزع على نطاق واسع في معظم دول أوروبا وبعض الدول العربية منها مصر .. وهي صحيفة كانت قد إكتسبت شهرةً واسعةً عبر مقالات وسياسات مالكها الصحفي الفلسطيني القدير ( عبد الباري عطوان ) الذي رحب مشكوراً بمقالاتي عندما إتصلت به وعرفته بنفسي وقال إنه معجب بالشعب السوداني وثقافة السودانيين وأنه قد قرأ كثيراً للاديب العالمي ( الطيب صالح ) وكذلك أشعار ( محمد مفتاح الفيتوري ) وأنه تعلم الصحافة على يدي صحفيين سودانيين حينما بدأ صحفيًا صغيراً في مدينة ( جدة ) بالمملكة العربية السعودية قبل إنتقاله الى لندن . المهم واصلت كتابة مقالاتي اسبوعياً تقريباً مع مواصلة دراستي للغة الدنماركية والتي يعد النجاح فيها ( كتابةً وشفاهةً ) شرطاً أساسياً للحصول على الجنسية .. في مطلع عام ١٩٩٧ كتبت مقالًا في صحيفة ( القدس العربي) بعنوان ( حلايب المفترى عليها ) ضمنته كثيراً من الحقائق التاريخية التي تؤكد سودانية حلايب مستعيناً ببعض المراجع التي تثبت تلك الحقيقة . وبعد مايقارب الأشهر السبعة سافرت إلى مصر لأول مرة لمقابلة الحبيبة أمي الله يرحمها لأني كنت ممنوع من السودان بأمر من جهاز أمنهم الذي كان على رأسه المدعو ( الدكتور نافع علي نافع ) .. وفي القاهرة وعن طريق الضابط العظيم الفريق( عبد الرحمن سعيد ) شفاه الله وعافاه.. وقد كان أحد رموز المعارضة العسكرية السودانية في طيب الذكر (التجمع الوطني الديمقراطي) حصلت على شقة في منطقة (مصر الجديدة )حيث كان يقيم فيها هو مع أسرته ..
وكانت المفاجأة بالنسبة أنه في مساء نفس يوم استلامي لمفتاح الشقة وتسليم صاحبتها المصرية قيمة الإيجار لمدة شهر وتوقيع العقد معها رن هاتف الشقة الأرضي بصورة مزعجة جداً ولمدة من الزمن .. فقررت الرد ظناً مني انه ربما يكون لمن كان قبلي في الشقة لأنها أصلاة هي شقة للإيجار وأوضح للمتصل أنني مستأجر جديد .. فمجرد ردي على السلام منه فجأني بإسمي والبلد الأوروبي الذي جئت قادماً منه .. فقلت له ( نعم ) فقال لي وبعجالة (مرحب بيك في مصر .. وياريت تشرفنا بكرة الساعة التاسعة صباحاً بمقر جهاز أمن الدولة .. وعند الاستقبال سوف تجد من ينتظرك ليحضرك لي في مكتبي وانا إسمي (العقيد سعيد حجازي !) .. وأغلق الهاتف .. فدارت الدنيا بي وخطرت ببالي عشرات القصص لضحايا أمن الدولة في مصر قد قرأتها وكان آخرها التعذيب في سجون هذا الجهاز سيء السمعة الذي تعرض له الداعية (الدكتور يوسف القرضاوي) قبل هروبه ولجوئه إلى قطر التي بقي فيها وإستقرحتى اليوم ونال جنسيتها وبالطبع هو أحد كبار قادة التنظيم العالمي للاخوان المجرمين. الأهم وصلت إلى مبنى الجهاز في الموعد المحدد وفي مكتب الإستقبال خضعت لتفتيش شخصي وتسلموا هويتي ثم ذهب أحدهم معي إلى الداخل حيث وجدت سعادة العقيد ( سعيد حجازي ) في انتظاري .. وقد علمت لاحقاً أنه هو الضابط المختص والمكلف بمتابعة ملفات السودانيين في مصر ..رحب بي الرجل وطلب مني الجلوس في الكرسي الوثير المقابل لطاولة مكتبه الواسع الذي تتوزع فيه عدد من أجهزة الاتصال من هواتف ولاسلكي وغيرها .. وبدأ في دردشة معي من قبيل (كيف الحياة معاك في الدنمارك ؟ وكيف وجدت مصر ؟ وان شاء الله ماتكون تعبت في الرحلة من اوروبا ؟ .. وماشابه .. كل ذلك بعد أن طلب من العامل لديه إحضار ( كباية ليمون بارد !) لشخصي ( لزوم الضيافة !) .. وأنا كان كل ذهني الشارد وشعوري يتركزان أساساً حول السؤال الأهم بالنسبة لي (ما سبب إستدعائي ؟) .. وبينما هو انشغل عني قليلاً بالكتابة على جهاز الحاسوب / الكمبيوتر الذي أمامه باغته بذلك السؤال ( عفواً سعادتو هل ممكن أعرف لماذا استدعيتموني ؟ ) .. صمت برهةً عله يكمل ما يكتب .. ثم قال لي بكل برود ( خلاص زمنك معاي انتهى .. ويا ألف مرحب بيك مرة أخرى في بلدك مصر .. ونتمنى لك اجازة سعيدة معنا هنا !) .. ثم بدا مبتسماً طالباً مني (في قفشة كعادة المصريين ) أن أكتب عن مصر وأنها بلد أمن وترحب بكل زائر يأتي إليها من أوروبا ) .. وهو يتقدمني نحو باب مكتبه لتوديعي فلفت نظري كمية تقرب الخمسين من جوازات السفر السودانية بلونها الأزرق مكتوب عليها (جمهورية السودان ) فسألته عن أصحابها وأين هم الآن فرد علي ضاحكاً (أنا عارف الصحفيين كلامهم كتير وعايزين يسألوا من كل حاجة ! دول جميعاً معنا داخل هذا المبني !) فقادني فضولي الصحفي (ما جريمتهم !؟؟) .. فرفض أن يجيبني وإكتفى بتوديعي مصافحاً ثم قال لي جملة لم إستدرك مقصده منها في تلك اللحظة وهي ( ما تنسى تسلملي على الأستاذ فاروق أبوعيسى ) .. خرجت من المبنى بعد أن تسلمت هويتي من الإستعلامات وكأنني ولدت من جديد .. ذلك كان هو شعوري . وعلى وجه السرعة حشرت نفسي في أقرب سيارة أجرة ( تاكسي ) وتوجهت مباشرة إلى مبنى الإتحاد العام للمحامين العرب بمنطقة ( قادرن سيتي ) حيث مكتب أستاذنا الراحل العظيم ( فاروق أبوعيسى ) الذي شغل منصب أمين عام هذا الإتحاد لأكثر من دورة عن طريق الانتخاب الديمقراطي الحر . جلست إليه وشرحت له كل مادار بيني وذلك العقيد .. وأبلغته تحاياه .. ثم سألته ذلك السؤال الذي كان يؤرقني بالطبع آنئذ ( واضح يا أستاذ أنك تعرف سبب إستدعائي الذي لم يكشفه لي سعادة العقيد !) .. وأوضح لي الأستاذ فاروق الأمر .. وكان سببه مقالاً نشرته قبل عدة أشهر في صحيفة ( القدس العربي اللندنية !) تحت عنوان ( حلايب المفترى عليها !) وفيه مستعيناً بالأدلة والمراجع أثبت سودانية حلايب .. و أنا كنت قد إتصلت بالأستاذ فاروق في منزلة بعد انتهاء المكالمة مع جهاز الأمن في الليلة السابقة .. فطلب مني أن لا أنزعج وأن أعتبره مجرد إجراء إستفساري لكونك صحفي سوداني قادم من أوروبا .. ومن يومها إزداد إهتمامي بقضية حلايب وما يتصل بها ..كما إزدادت قناعتي بأن في مصر جهاز أمن قوي يرصد كل حرف يكتب عن مصر 🇪🇬 سلباً أو إيجاباً وفي أي بقعة من هذا العالم ..
وختاماً ياسادتي وبالنسبة لي على الصعيد الشخصي أنني مدين بحياتي لهذا السوداني الرمز في عالم القانون وحقوق الإنسان ..
رحمه الله رحمةً واسعةً.. أستاذنا فاروق أبوعيسى
ولك الله يا وطني 🤲*



