الأعمدة

(البرهان- حمدوك) الله يعلم المفسد من المصلح

بقلم: المستشار معاوية أبوالريش
في دهاليز السياسة السودانية المعقدة، تبرز شخصيتان مختلفتان كل الاختلاف في نهجهما وخياراتهما وتعاملهما مع مصير البلاد. الأولى هي شخصية الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس الوزراء السابق الذي قضى فترة قصيرة نسبياً في السلطة، لكنها كانت حافلة بالإنجازات والنجاحات التي لامست آمال السودانيين وطموحاتهم. والثانية هي شخصية الفريق عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة، الذي تولى قيادة البلاد لسنوات أطول، ولكن سجله مليء بالوعود المخلفة والتصرفات المثيرة للجدل.
حمدوك: الرجل الذي أعاد السودان للعالم: في الفترة القصيرة التي تقلد فيها الدكتور محمد عبد الله حمدوك رئاسة مجلس الوزراء للفترة الانتقالية (أغسطس 2019 – يناير 2022)، استطاع أن يحقق العديد من الإنجازات والنجاحات على أصعدة كثيرة. كان أبرز هذه الإنجازات إعادة السودان إلى حضن المجتمع الدولي وإعادة علاقات السودان بالمجتمع الدولي إلى سابق عهدها، بعد أن تسبب البشير وفلول النظام البائد بسياساتهم الرعناء والبلهاء في فرض عزلة دولية على السودان وعقوبات اقتصادية أثرت بشدة على أهل السودان.
نجح حمدوك في مساعيه مع الولايات المتحدة الأمريكية في رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب في 14 ديسمبر 2020، والتي ظل السودان فيها لمدة تقارب ثلاثة عقود. هذا الإنجاز التاريخي فتح الباب أمام السودان للاندماج مجدداً في النظام المالي العالمي والاستفادة من المساعدات الدولية والاستثمارات الأجنبية.
كما أفلح حمدوك في إقناع دائني السودان بإعفاء جزء كبير من ديون البلاد. فقد ساهمت تحركاته في تخفيض مديونية السودان لدى صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بأكثر من 50 مليار دولار، وهو إنجاز نادر الحدوث حتى في أكثر الحكومات استقراراً. لم تأت حكومة في تاريخ السودان، عسكرية أو ديمقراطية، استطاعت إعفاء جنيه واحد من مديونية السودان، فيما نجحت الحكومة الانتقالية بقيادة حمدوك في اعفاء أكثر من 40 مليار دولار من ديون السودان.
على الصعيد الاقتصادي، شرعت حكومة حمدوك في إصلاحات عميقة رغم صعوبتها، شملت رفع الدعم عن الوقود وتعويم العملة ومحاولة فرض سيطرة الحكومة على الشركات المملوكة لقوى الأمن. وعلى صعيد الإنتاج، شهدت فترة الحكومة الانتقالية زيادة في إنتاج القمح، وكان موسم القطن الأنجح في تاريخ السودان.
في مجال حقوق الإنسان، قامت حكومة حمدوك بإلغاء عدد من القوانين المقيّدة للحريات، وتعزيز دور المرأة في المجتمع وحماية حقوقها، وإتاحة حرية الرأي والتعبير والتجمع السلمي ومحاربة ظاهرة الإفلات من العقاب. كما تم التوقيع على اتفاقية فتح المكتب القطري للمفوضية السامية لحقوق الإنسان.
البرهان: سجل من الوعود المخلفة والقرارات المثيرة للجدل: في المقابل، ظل الفريق عبد الفتاح البرهان منذ توليه الحكم كرئيس للمجلس العسكري الانتقالي خلفاً لابن عوف أولاً، ثم رئيساً لمجلس السيادة، يقدم وعوداً للشعب السوداني ويطلق التصريحات هنا وهناك، ولكنه لم يفِ بأي وعد منها.
مجزرة فض الاعتصام: خطيئة لا تُنسى: تورط البرهان ورهطه من قيادات مجلس السيادة بمساعدة ومشاركة مليشيات فلول النظام البائد وقوات الدعم السريع في أحداث فض اعتصام القيادة العامة في 3 يونيو 2019، التي تمت فيها تصفية شباب السودان الأبرياء الذين كانوا يعتصمون بمحيط القيادة العامة وإلقاء جثثهم في النيل.
أقر الناطق الرسمي وقتها باسم المجلس العسكري الانتقالي، الفريق شمس الدين كباشي، بأنهم هم من خططوا ونفذوا عملية فض اعتصام القيادة العامة، قائلاً في المؤتمر الصحافي الشهير: “المجلس العسكري هو من اتّخذ قرار فض الاعتصام ووضعت الخطة لذلك، ولكن بعض الأخطاء والانحرافات حدثت”. ثم عاد هو والبرهان لاحقاً بإنكار ذلك، مع أن كل السودانيين والعالم قد شاهدوا ذلك الإقرار الأول صورة وصوتاً، وما زال الفيديو المسجل به الإقرار متاحاً على كافة منصات التواصل الاجتماعي.
قُتل في فض الاعتصام والملاحقات التي تلته أكثر من 200 شخص وأصيب ما يقارب 4 آلاف، بعضهم بعاهات مستديمة. وكشف عدد من الناجين والمصابين عن تعرضهم بشكل ممنهج للتعذيب.
البرهان والحرب العبثية المدمرة: بعد الإطاحة بحمدوك عبر انقلاب البرهان وحميدتي عليه في 25 أكتوبر 2021، وبعد اندلاع الحرب العبثية المدمرة التي نشبت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة البرهانية بمؤازرة من أشعلوها من فلول النظام البائد وبين قوات الدعم السريع، ظهر الفرق الواضح بين نهج الرجلين.
فبينما ظل حمدوك يدعو إلى وقف الحرب وحقن دماء السودانيين والسودانيات، ويطلق مبادرات سلام متعددة تحت عنوان “نداء سلام السودان”، ويجري اتصالات مكثفة مع أطراف النزاع لإيقاف نزيف الدم السوداني، ظل البرهان في الجانب الآخر يدعو ويتمسك باستمرار الحرب غير آبه بمعاناة الشعب السوداني الذي فقد الكثير من أبنائه وشُرد الملايين ونزحوا إلى خارج البلاد بسبب احتدام المعارك بين الطرفين.
رفض البرهان السلام وظل يؤكد على الدوام بأنهم سيقاتلون حتى آخر جندي سوداني، وأن القوات المسلحة البرهانية بمؤازرة المليشيات الكيزانية قادرة على دحر المتمردين الذين كان يصفهم بالأمس بأنهم من رحم القوات المسلحة.
هدد البرهان مؤخراً باستمرار العمليات العسكرية ضد قوات الدعم السريع، مؤكداً أن المعركة لن تتوقف إلا بعد القضاء الكامل على من وصفهم بـ”المتمردين” أو في حال تخليهم عن السلاح وانسحابهم من المناطق التي يسيطرون عليها.
لقاء سويسرا: استمرار في نهج الحرب:
البرهان عقب عودته من سويسرا، حيث التقى في أغسطس 2025 بمستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، صرح مؤخراً بأنهم سيواصلون القتال من أجل هزيمة المتمردين وطردهم من البلاد، وأنهم لن يخونوا دماء الشهداء الذين سقطوا. وبحسب المصادر، أكد البرهان لمستشار ترامب رفضه القاطع لوجود قوات الدعم السريع في السلطة عقب الحرب، مما يشير إلى إصراره على الحل العسكري.
حمدوك: صوت السلام والحكمة: في المقابل، دعا حمدوك في كل مناسبة إلى وقف الحرب “اللعينة” التي وصفها بأنها “حرب المنتصر فيها خاسر”. وأطلق عدة مبادرات سلام، منها “نداء سلام السودان” الذي يهدف إلى تحقيق هدنة إنسانية ووقف فوري لإطلاق النار، فضلاً عن إنشاء آليات لبناء الثقة بين الأطراف المتنازعة.
التقى حمدوك بقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) في أديس أبابا في يناير 2024، ونتج عن الاجتماع “إعلان أديس أبابا” الذي وضع لبنات أولى لحل سلمي للنزاع، وتضمن تعهدات من قائد قوات الدعم السريع باستعداده لوقف العدائيات بشكل فوري وغير مشروط.
كما دعا حمدوك قادة الجيش السوداني إلى اجتماع عاجل لتدبر سبل وقف الحرب، مؤكداً أن السودان يمر بأكبر كارثة في تاريخه تهدد وجوده، وأنه “يمكن أن نصبح غداً ولا نجد السودان كما نعرفه”.
سؤال مفتوح للقارئ: في نهاية هذا العرض لسجل كل من الرجلين، نترك للقارئ الكريم أن يحكم بنفسه: من منهما استطاع أن يخدم السودان وشعبه بصدق وإخلاص؟ ومن منهما كان أكثر حرصاً على مصالح البلاد ووحدتها واستقرارها؟ ومن منهما يستحق ثقة الشعب السوداني ودعمه في المرحلة القادمة؟
إن التاريخ والأعمال والمواقف تتحدث عن نفسها، والشعب السوداني الواعي قادر على التمييز بين من يعمل لخدمة الوطن ومن يعمل لخدمة مصالحه الشخصية والفئوية. فالله سبحانه وتعالى يعلم المفسد من المصلح، والحق أبلج والباطل لجلج، ولكل امرئ ما نوى وما عمل.
“والله يعلم المفسد من المصلح ”
صدق الله العظيم.

زر الذهاب إلى الأعلى