الأعمدة

قصتي مع الأستاذ المحامي الكبير ( رحمه الله )

بقلم: الدكتور كمال محمد الأمين
كان الأستاذ المرحوم من أولئك الرجال الذين يحفرون أسماءهم في ذاكرة الزمن بمداد من نور، فقد غدا من أساطين القانون في السودان، يُشار إليه بالبنان، ويُضرب به المثل في سعة الاطلاع والحنكة القانونية. وكان له برنامج تلفزيوني يحمل اسمه “ ”، يطل منه على الناس كالطبيب الحاذق يداوي جراحهم القانونية، ويجيب على استفساراتهم في شؤون الإيجارات وغيرها من المسائل التي تشغل بال المواطن البسيط.

لكن الأقدار شاءت أن يبتلي بلدي السودان بما يُسمى “الجبهة القومية الإسلامية”، تلك الحركة التي راحت تفرخ الغلاة والمتشددين من كل حدب وصوب، كأنما هي مصنع لإنتاج الجنون المقدس. وأذكر من هؤلاء قريباً لي، كان كالريشة في مهب الريح، ينتقل من جماعة إلى أخرى: بدأ بالحركة الإسلامية، ثم انتقل إلى جماعة أنصار السنة، فجماعة البلاغ والدعوة، ثم جماعة المسلمين، وأخيراً… الجنون الخالص.
في إحدى تلك الغدوات المباركة، وبعد أن أديت صلاة الفجر، خرجت من البيت متوجهاً إلى الخرطوم، كما هي عادتي. وما إن فتحت باب السيارة، حتى تراءى لي رجل ذو لحية كثيفة كأنها غابة سوداء تخفي ملامح وجهه. اقترب مني بخطى واثقة، وألقى السلام بصوت جهوري.
عرّف بنفسه، ثم قال بنبرة لا تخلو من الجدية المقلقة: “يا ابن عمي، أنا جئتك رسولاً من الجماعة”. وهنا توقف قلبي للحظة، فقد عرفت أن ما سيأتي بعدها لن يكون خيراً.
ثم أكمل بصوت رتيب كأنه يتلو نشرة أخبار: “اجتمعنا البارحة، وقررنا قتل الطاغوت المحامي (….) وقد كُلفت بأن آتيك لتبلغه بقرارنا، عساه أن يتوب قبل تنفيذ حكم الله فيه”.
قال ما قال، ثم ولى وجهه شطر الأفق، تاركاً إياي في دوامة من الحيرة والفزع. هل هذا حلم أم كابوس؟ هل هذا جنون أم واقع مرير؟
شاء القدر أن ألتقي بالأستاذ المرحوم في ذات اليوم، وكان اللقاء كأنه موعد محتوم مع التاريخ. حكيت له ما حدث بكل تفاصيله، دون أن أخفي عنه شيئاً أو أزيد.
وهنا حدث ما لم أكن أتوقعه: الرجل الذي طالما واجه خصومه في المحاكم بثبات الجبال، الذي لم تهزه عواصف القضايا المعقدة، سقط مغشياً عليه كالشجرة المقطوعة الجذور. لقد انهار تحت وطأة الصدمة، فالموت تهديد لا يستطيع أن يواجهه بالمنطق والقانون.
ختاما:
قضى الأستاذ المحامي الكبير ذلك اليوم كله في المستشفى، بين الوعي واللاوعي. لكن الله سبحانه شاء أن يقوم سليماً معافى، كأنما وُلد من جديد.
وهكذا انتهت هذه الحادثة التي تركت في نفسي أثراً عميقاً، فقد رأيت بأم عيني كيف يمكن للجنون أن يتلبس ثوب الدين، وكيف يمكن للكلمة أن تقتل قبل السيف.
إنها قصة تحكي عن زمان عجيب، زمان اختلطت فيه الحقائق بالأوهام، والدين بالجنون، والحق بالباطل. زمان صار فيه المحامي الشريف في مرمى النار، لا لذنب اقترفه، بل لأنه مارس مهنته بشرف وصدق.
تلك هي قصتي مع الأستاذ المحامي الكبير عليه رحمة الله ، قصة تستحق أن تُروى، وتستأهل أن تُذكر، لعلها تكون عبرة لمن يعتبر، وذكرى لمن يتذكر.

زر الذهاب إلى الأعلى