الأعمدة

شبح التقسيم يتعملق امام ناظرينا

في خضم الحرب المستعرة التي تمزّق السودان منذ أبريل 2023، يتعملق يوميا أمام ناظرينا شبح التقسيم ، المدعوم لا من جبهة واحدة، بل من جبهتين تتنازعان الشرعية والسيطرة وتتناسل من تحالفاتهما مشاريع سلطة تتكئ على خطابات تزداد انفصالًا وتباعدًا عن الفكرة القومية الجامعة.
اليوم، تتجه الأنظار إلى ما يُتوقع أن يكون إعلان “حكومة التأسيس”، وهي الكيان السياسي المرتقب الذي يتشكّل في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع والحركة الشعبية-شمال بقيادة عبد العزيز الحلو، مدعومًا بتحالف من القوى المدنية المنشقة والرافضة لسلطة بورتسودان. من حيث الجغرافيا، فإن هذه الحكومة تنوي ممارسة مهامها في رقعة ليست بالقليلة من تراب الوطن، لكنها – واقعًا – منطقة غير محكمة السيطرة، متداخلة ومتنازع عليها مع سلطات بورتسودان، مما يعزز التشظي بدلًا من الوحدة.
لكن القلق الحقيقي لا ينبع من الخارطة وحدها، بل من الخطاب السياسي المرافق لتلك الحكومة. فما يتسرب من صفحات المؤيدين و الدوائر المتحالفة مع الدعم السريع، لا يخفي نزوعًا انفصاليًا صريحًا. بل إن نبرة السخرية والازدراء تجاه “الآخر السوداني” تذكّر بمواقف سبقت انفصال جنوب السودان، كعبارة “باي باي عواليق” التي لا تزال ترن في الذاكرة، وتعيد فتح جرح الهوية والاعتراف والانتماء.
ازدواجية الخطاب.. قناع “القومية” وخلفه الافتراق
ما يزيد من خطورة هذا المشروع هو تلك الازدواجية المقلقة في تركيبته: فالحكومة التي يُراد لها أن تُعلن على أنها “قومية”، تضم وجوهًا غير دارفورية، وتتبنّى خطابًا موحدًا ظاهريًا، لكنها في العمق تتحرك ضمن بيئة سياسية وقوات مسلحة تحمل خصائص جهوية وتمردية، بعضها لطالما نادى بفصل مناطق السودان المهمشة عن المركز.
هذا التناقض يشي بأن “اللمسة القومية” ليست سوى مرحلة تكتيكية مؤقتة، تُستخدم لإكساب المشروع شرعية سياسية وشعبية، تمهيدًا لمآلات انفصالية محتملة. وهي قراءة ليست مغرقة في التوجس، بل تستند إلى سوابق تجربة جنوب السودان، وتجارب فشل بناء الدولة الوطنية السودانية منذ الاستقلال.
لكن المفارقة الأكبر تكمن في أن المشروع المضاد – أي “حكومة بورتسودان” التي يتزعمها تحالف الجيش والحركة الإسلامية وبعض رموز المؤتمر الوطني – لا يقدّم بديلًا وطنيًا جامعًا، بل يُعيد تدوير خطاب الهيمنة المركزية بمكياج قومي زائف. فالإسلاميون الجدد، وهم من يشكلون العمود الفقري لسلطة بورتسودان، يتحدثون بلسان الوحدة ولكنهم – كما تظهر تسريبات ونقاشات داخلية – يرون مستقبل السودان في تقسيم عملي تُحكم فيه مناطق “مفيدة” ويُترك الباقي لمصيره.
وبذلك، يجد السودان نفسه عالِقًا بين مشروعين يحملان بذور التقسيم في جوهرهما، وإن اختلفا في الأسلوب والتغليف. فكلاهما يرفع شعار القومية وهو يمارس فعل الجهوية؛ يتحدث عن وحدة الوطن وهو يشيد أسوار التمايز والخطابات الإقصائية.
الواقع المرير هو أن الطبقة السياسية والمدنية، بمختلف أطيافها، عجزت عن إنتاج سردية وطنية جامعة. فالحرب أطاحت ببقايا العقد الاجتماعي المهترئ، وجعلت من خطاب “التمثيل المناطقي” بوابة للسلطة، لا وسيلة للتوازن والعدالة.
والنتيجة؟ خريطة يتمزق نسيجها أمام أعيننا، وسودان جديد يُرسم بالبندقية والحدود العسكرية، لا بالتوافق الوطني.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس حكومة تأسيس ولا سلطة مركزية فاقدة الشرعية في بورتسودان ، بل مشروع إنقاذ وطني ثالث، يتجاوز المعسكرين، ويعيد الاعتبار لفكرة السودان كدولة تتسع للجميع، بلا استثناء ولا إذلال.
لقد آن الأوان لوقف هذا الانحدار نحو “السودان المقطّع”، قبل أن نصحو على أكثر من “باي باي” في مستقبلنا القريب.
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية

زر الذهاب إلى الأعلى