الأعمدة

الإحالات العسكرية والتسوية وراء محاولة انقلابية في الظل

#image_title

#image_title
#أحمد_عثمان_جبريل
يكتب….
في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021 الذي أطاح بالحكومة المدنية، دخل السودان في مرحلة شديدة التعقيد من الصراع السياسي والعسكري، لا يزال يعيش الشعب السوداني افرازاتها من حرب وقتل ونشريد وتدمير لسائر الوطن.. حرب لم تنتهي فصولها بعد لكن بوادر نهاياتها باتت نلوح في الافق بعد التفاهمات التي جرت مع قائدي الجيش و الدعم السريع.. ولكن ذلك لم يعجب قيادات مؤثرة داخل الجيش، فبدت (زمجرتها) صراحة ما حدا بقائد الجيش إسكات تلك (الزمجرة) بإحالات سريعة للمعاش، مع اعادة ترتيب لهيئات اركانه من جديد، إلا ان عدد من الضباط واجهوا هذه القرارت بالرفض التام.. في هذه الأثناء، تداولت مصادر مقربة من حكومة بورتسودان تفاصيل عن تحركات عسكرية تشير إلى احتمال وجود محاولة انقلابية تُعد في الظل ضد الفريق البرهان، وان هذه المحاولة محورها الأساسي هو الإحالات المتزايدة لضباط عسكريين إسلاميين إلى المعاش.. ذلك ما أثار العديد من التساؤلات حول حقيقة المشهد العسكري، ودرجة التوتر الداخلي في صفوف الجيش؟ وهل من الممكن أن يؤدي ذلك إلى خلط الأوراق ويبدد الجهود لمحاولات إعادة الاستقرار في السودان ؟ والترتيب لوقف الحرب وانزال عملية التسوية السياسية التي يجري طبخها على نار هادية وانزالها على الواقع السوداني؟.
الواقع ان للسودان تاريخ طويل من الانقلابات العسكرية، والجيش الذي لطالما كان حلبة للولاءات المتشابكة، يظل اليوم على مفترق طرق. بعد أن أمسك البرهان بالسلطة في أعقاب الإطاحة بالمخلوع عمر البشير عقب ثورة شعبية، كبرى، جاءت به لسدة الحكم، وبعد ستة سنوات قالت التسوية المرتقبة كلمتها: لابد من هيكلة جديدة للمؤسسة العسكرية، تبدأ إحالة العديد من الضباط المتهمين بالولاء للنظام السابق إلى المعاش، هذه القرارات، رغم أنها تبدو في ظاهرها جزءًا من محاولاته لتقوية سلطة البرهان داخل الجيش، إلا أنها لا شك قد تكون وراء التفجرات المحتملة داخل المؤسسة العسكرية.
كما يقول الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو: “السلطة ليست فقط في المظهر الظاهر بل في القدرة على التحكم في من يملك القوة”.. لذلك يفهم البرهان جيدا أنه حتى يتنفس اكسجين صحي يبقيه في الحياة وحتى يوصل بالبلاد إلى بر الأمان بدأ في ترتيب حساباته داخل مؤسسة الجيش للهيمنة على المفاصل العسكرية، ولكنه وجد نفسه في صراع غير مرئي مع الضباط الإسلاميين الذين يشكلون تهديدًا مباشرًا لنفوذه .. فكانت الإحالات إلى المعاش و التي طالت عددًا من الضباط المصنفين من جماعة الإسلاميين .. أرادها البرهان كخطوة استراتيجية مهمة لتحجيم النفوذ الذي يمتلكه هؤلاء داخل الجيش.
و ما تتناقله بعض المصادر المقربة لحكومة بورتسودان من شائعات حول وجود محاولات انقلابية، تقول الرواية أن الضباط الذين تم إحالتهم إلى المعاش يخططون للرد على البرهان، مُعتقدين أن هذه الإحالات ليست مجرد خطوة إدارية، بل جزء من مخطط لتصفية الجيش من أولئك الذين ارتبطوا بالإسلاميين.. هذا التوتر الداخلي، الذي يغذيه الخوف من فقدان السيطرة على الجيش، قد يؤدي إلى تصعيد غير مسبوق.
يقول المفكر السياسي الأميركي هنري كيسنجر:” السياسة العسكرية مثل رقعة الشطرنج، ويضيف قائلا: “في الشطرنج، كما في السياسة، النتيجة ليست مجرد محاكاة للحركة، بل كيفية فهم اللعبة.” .. نعم في حالة البرهان، فإن “اللعبة” التي يخوضها مع الضباط الإسلاميين داخل الجيش، قد تؤدي إلى تحركات مفاجئة إذا لم يتمكن من الحفاظ على التوازن الداخلي، لذا ينبقي عليه قراءة ومتابعة كل التقارير سطر سطر وتفكيك كل جزيئاتها.. ففي التفاصيل تكمن الشياطين.
يقال ان أحد الأسباب الرئيسة وراء تصاعد هذه المحاولات الانقلابية، إن صدقت رواية الانقلاب نفسها، هي الإحالات المستمرة لضباط الجيش.. مايبرز سؤالا هنا: فهل كانت الاحالات مهمة خصوصا وإن الحرب لم تضع اوزارها بعد؟ .. نعم مهمة، ذلك لأن الذين كانوا يمثلون عمودًا فقريًا للجناح العسكري (للمؤتمر الوطني) هؤلاء هم ذات الضباط، الذين تعود علاقتهم الوثيقة بالإسلاميين إلى فترة قيام انقلاب الإنقاذ نفسها، حيث يشعرون الآن بأنهم قد تم إقصاؤهم من النظام الجديد.. ويشير محللون هنا إلى أن هذا الاستبعاد يمكن أن يُنظر إليه كتهديد لوجودهم السياسي والعسكري، وهو ما قد يدفعهم إلى البحث عن فرص جديدة لاستعادة نفوذهم، و مواقعهم التي اطاحهم البرهان منها .
(الكاهن) يبدو انه مصمم على إعادة ترتيب الجيش وفقًا لتوجهاته العسكرية، لذا قد لا يدرك تمامًا أن هذا التحرك قد يُشعل فتيل المقاومة داخل المؤسسة العسكرية، مما قد يؤدي إلى اندلاع انقلاب داخلي على غرار ما حدث في الجزائر خلال التسعينيات، ومع تزايد الشائعات حول تحركات مناوئة للبرهان، والتي أيضا ربما يكون للاستخبارات العسكرية دور محوري فيها كعمل مضاد، ففي كثير من الاحيان الاستخبارات العسكرية قد تستخدم تقنية إطلاق الشائعات كجزء من عملياتها المضادة، بهدف التأثير على الرأي العام أو العدو، أو لتضليلهم حول معلومات معينة.. هذه الممارسة تعتبر جزءًا من الحرب النفسية والتكتيكات الاستخباراتية، حتى يظل الجيش في حالة استعداد لمواجهة ما قد يُعتبر “تمردًا داخليًا” يهدف إلى استعادة توازن القوى.
اما بقراءة للواقع إقليميًا ودوليًا، فصدقا لا يزال موقف القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي غير محدد تمامًا، فهذه القوى لا ترغب في العودة إلى سيطرة الإسلاميين، ولكنها في ذات الوقت تدرك أن دعم البرهان بشكل كامل قد يؤدي إلى تصاعد الانقسامات داخل الجيش، وهو ما قد يفضي إلى فوضى سياسية واسعة، تدخل المنطقة في فوضى لا قبل لهم بها، و قد تصبح هذه التحركات الانقلابية جزءًا من لعبة أكثر تعقيدًا بين الفاعلين المحليين والدوليين، وهو ما قد يجعل أي تسوية صعبة إذا فشلت الأطراف في التوصل إلى توافق.
يقول الفيلسوف الألماني هيغل: “الظروف لا تصنع الإنسان، بل الإنسان هو من يصنع الظروف”.. ما يعني أنه و في حال تصاعدت الأزمة داخل الجيش السوداني، فقد نجد أنفسنا في مواجهة مع أزمة تتجاوز الصراع العسكري إلى صراع وجودي بين القوى المدنية والعسكرية، وبين الضباط الإسلاميين والجيش الحاكم .. وهذا هو السيناريو الذي بات الآن أقرب للحقيقة لو لم تتحرك كل عيون البرهان داخل الجيش لرصد كل شاردة وواردة.
ووسط كل هذه التلاطم، يبقى السؤال مفتوحًا: هل سيتحمل البرهان الضغط الداخلي ويظل على رأس الجيش، أم أن محاولات الانقلاب التي تحاك في الظل ستنجح في تغيير معادلة السلطة؟ ويبقى المشهد في السودان كما هو، مفعمًا بالتوترات الداخلية والتحولات السياسية التي تتشابك فيها الأبعاد العسكرية والمدنية.
إن ما نشهده اليوم من إحالات للضباط الإسلاميين إلى المعاش. والأنباء التي تتدوالها المجالس والقروبات عن المحاولة الانقلابية قد يكون مجرد فصل أول في قصة أكبر قد تُعيد تشكيل مستقبل السودان.. وفي هذا السياق، يقول الكاتب الأميركي توماس هوبس: “القوة هي التي تفرض السلطة، لكن الحكمة هي التي تحافظ على الاستقرار”.. لذلك نهمس في أذن البرهان أن عليه الإختيار ما إذا كان سيتبع القوة أو الحكمة في معالجة هذا التحدي الكبير.
إنا لله.. الله غالب.

زر الذهاب إلى الأعلى