يجد القائد الأعلى لقوات الشعب المسلحة الفريق أول عبد الفتاح البرهان نفسه أمام لحظة حاسمة تحدد مسار المؤسسة العسكرية ومستقبل البلاد، فالمعركة لم تعد فقط ضد قوات الدعم السريع بل أصبحت معركة هوية داخل الجيش ذاته، إذ ظل التغلغل الأيدولوجي الإسلامي لعقود عبئاً على مهنية القوات المسلحة ومصدراً لاهتزاز ثقة الداخل والخارج بها، واليوم يتوجب على البرهان أن يبرهن بالفعل لا بالقول على قدرته في إعادة الجيش إلى مساره الوطني المهني. إن الخطوة الأولى لإثبات حسن النوايا لا تكمن في الإحالات والتغييرات الإدارية فحسب بل في اتخاذ قرار مصيري بتسليم أحمد هارون إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو الرجل المطلوب بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وهذه الخطوة ستشكل رسالة قوية بأن السودان يطوي صفحة الماضي ويمضي نحو إصلاح حقيقي.
غير أن العقبة الكبرى أمام البرهان تكمن في صراع النفوذ الذي يخوضه داخل المؤسسة العسكرية مع التيارات الإسلامية، فهذه التيارات لم تتغلغل في الجيش صدفة بل صنعت لنفسها حواضن داخل الكليات الحربية ومفاصل القيادة، واستطاعت خلال العقود الماضية أن تربط الترقيات والامتيازات بالولاء السياسي، مما خلق شبكة مصالح معقدة ترى في أي محاولة للتطهير تهديداً لوجودها ذاته، وهو ما يفسر المقاومة الصامتة أحياناً والصريحة أحياناً أخرى تجاه أي تغيير جذري. بعض هذه التيارات لا تزال تراهن على إطالة أمد الحرب لإضعاف البرهان وإعادة إنتاج نفوذها في ثوب جديد، بينما تيارات أخرى تحاول مساومته على البقاء في المشهد مقابل دعمه سياسياً.
داخلياً، فإن مواجهة هذه الشبكات تحتاج إلى قرار سياسي شجاع أكثر من كونها مجرد معركة إدارية، فالجيش منقسم بين ضباط يؤمنون بالولاء للوطن وحده وآخرين ما زالوا أسرى الأيدولوجيا، وإذا لم يحسم البرهان هذا الصراع بوضوح فسيظل مشروع الإصلاح هشاً معرضاً للانتكاس. أما خطوة تسليم أحمد هارون فستكون بمثابة إعلان انتصار للتيار الوطني داخل الجيش ورسالة قاطعة بأن زمن الحماية السياسية للإسلاميين قد انتهى.
خارجياً، سيمثل التسليم مؤشراً واضحاً للمجتمع الدولي على جدية السودان في احترام العدالة ومكافحة الإفلات من العقاب، وهو ما قد يفتح أبواب الدعم السياسي والاقتصادي ويخفف من العزلة والعقوبات، كما سيعزز علاقة الخرطوم بالمحكمة الجنائية ويوفر سنداً إضافياً في مواجهة تركات النظام السابق. أما إقليمياً فستقرأ بعض القوى الخطوة كإضعاف للتيار الإسلامي وقطع لطريق تمدده، بينما قد تنظر إليها قوى أخرى بقلق على توازنات النفوذ، غير أن النتيجة المؤكدة أن البرهان سيثبت قدرته على اتخاذ قرارات جريئة ومستقلة.
في نهاية المطاف، فإن تسليم أحمد هارون ليس مجرد ملف قضائي بل اختبار إرادة وإعلان قطيعة مع الماضي، وإذا أقدم البرهان عليه فسيفتح الباب أمام إعادة بناء جيش وطني قوي ويحجز للسودان مكاناً جديداً على خارطة الشرعية الدولية، أما التردد فسيبقيه أسير الشكوك وضحية لضغوط الداخل والخارج معاً.



