كتب: المستشار معاوية أبوالريش
ضجت وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً بخبر رحيل القاضي الأمريكي فرانك كابريو، الذي لُقب بـ”ألطف قاضٍ في العالم”، والذي واف

القاضي فرانك كابريو، الذي خدم في محكمة بروفيدنس البلدية بولاية رود آيلاند الأمريكية لما يقارب أربعة عقود، لم يكن قاضياً عادياً. لقد حوّل قاعة محكمته الصغيرة إلى منارة للرحمة والعدالة الإنسانية، وأصبح نموذجاً يُحتذى به عالمياً من خلال برنامجه التلفزيوني “Caught in Providence” الذي حصد مئات الملايين من المشاهدات وملايين المتابعين عبر القارات.
نشأة القاضي الرحيم
وُلد كابريو عام 1936 لعائلة إيطالية مهاجرة متواضعة في حي فيدرال هيل ببروفيدنس. كان والده أنطونيو، بائع الحليب، يوقظه في الرابعة فجراً لمساعدته في التوزيع. خلال هذه الصباحات المبكرة الباردة، تعلم الطفل فرانك دروساً عميقة في الرحمة حين شاهد والده يرفض قطع الحليب عن العائلات الفقيرة، بل يدفع عنهم أحياناً من جيبه الخاص. هذه التجربة المبكرة غرست في نفسه بذور الرحمة التي ستزهر لاحقاً في قاعة المحكمة.
اللحظة الفاصلة في مسيرة كابريو القضائية جاءت في يومه الأول على منصة القضاء. حضر والده ليشهد ابنه وهو يحكم لأول مرة، وعندما غرّم كابريو امرأة 300 دولار لمخالفات مواقف السيارات، اقترب منه والده بعد انتهاء الجلسة وقال بحزم: “فرانك، تلك المرأة كانت خائفة. كان يجب أن تتحدث معها وتفهم مشاكلها. لا يمكنك أن تعامل الناس هكذا” كان هذا درساً محورياً لم ينسه طوال حياته.
فلسفة العدالة الرحيمة
من تلك اللحظة، طوّر كابريو فلسفته القضائية المميزة التي أطلق عليها “العدالة الرحيمة”، وكان شعاره الذي ذاع صيته: “تحت رداء القضاء، لدي قلب وليس شارة” في كتابه الأخير “الرحمة في المحكمة”، كتب مبرراً منهجه: “كيف تُخدم غايات العدالة إذا فرضت أقصى عقوبة على والد يواجه صعوبات مالية، فلا يتمكن بعدها من اصطحاب أطفاله إلى المدرسة أو القيادة إلى عمله؟ في تلك الحالة، سأكون قد ضاعفت المشكلة بدلاً من حلها”.
تميزت قاعة محكمة كابريو بطابع مختلف تماماً عن المعتاد. كان يستمع لقصة كل متقاضٍ بصبر لا ينضب، ويتفهم ظروفهم الاجتماعية والاقتصادية، ويتعامل معهم جميعاً بكرامة واحترام بالغين. في إحدى قضاياه المشهورة، مثلت أمامه معلمة مدرسة ابتدائية تحمل طفليها الصغيرين لتدفع مخالفات مرور لم ترتكبها، بل والد أطفالها الذي كان محبوساً في السجن آنذاك. أُعجب كابريو بتحملها المسؤولية رغم براءتها، فألغى جميع المخالفات والغرامات.
واقع القضاء السوداني: صورة مختلطة
عندما ننظر إلى واقع القضاء في السودان، نجد أنفسنا أمام صورة مختلطة تحمل في طياتها النقيضين. فبينما عرف السودان عبر تاريخه قضاة عظاماً انتهجوا نفس منهج كابريو في الرحمة والإنسانية، قضاة تركوا أثراً إيجابياً عميقاً في نفوس المتقاضين وحققوا العدالة بأسلوب كريم ومتفهم، إلا أن هذه النماذج المشرقة تبقى للأسف في دائرة الاستثناء وليس القاعدة.
فالغالبية العظمى من الممارسات القضائية في محاكمنا تشهد اتجاهاً مغايراً تماماً. كثيراً ما نصادف في قاعات المحاكم وجوهاً متجهمة وعابسة، وكأن القاضي يبعث رسالة صامتة للجميع مفادها “أنا صارم جداً ولا أرحم أحداً” هذا التجهم المفرط والعبوس غير المبرر يخلق جواً مشحوناً بالرهبة والخوف حتى قبل أن تبدأ إجراءات المحاكمة الفعلية.
هؤلاء القضاة يقعون في خطأ جوهري بخلطهم بين مفهوم الهيبة القضائية الحقيقية ومفهوم الغلظة والقسوة. فالهيبة الحقيقية تنبع من العدالة والحكمة والتوازن، وليس من إرهاب المتقاضين أو إذلالهم.
هذه الغلظة غير المبررة تطال المتقاضين والمحامين على حد سواء. شهدنا قضاة يقطعون كلام المتقاضين دون إتاحة الفرصة الكاملة لعرض قضاياهم، ويستخدمون عبارات جارحة أو مهينة، ولا يولون أي اعتبار للظروف الشخصية أو الاجتماعية للأشخاص الواقفين أمامهم. أما في التعامل مع المحامين، فنلحظ عدم احترام لدورهم المهني المقدس، ومقاطعة مستمرة لمرافعاتهم دون مبرر موضوعي، وتقليلاً واضحاً من شأن دفوعاتهم القانونية المشروعة.
جذور المشكلة والعوامل المؤثرة:
ينبع هذا السلوك القضائي السلبي من جذور عميقة متنوعة. أولها سوء الفهم الجوهري لمعنى العدالة الحقيقية، والخلط المؤسف بين الحزم المطلوب والقسوة المرفوضة، والاعتقاد الخاطئ أن الغلظة والشدة هما مرادفان للعدالة. كما تلعب عوامل نفسية دوراً مهماً، مثل عقدة السلطة التي تدفع بعض القضاة لاستخدام مناصبهم كوسيلة لإظهار القوة والتسلط، إضافة إلى ضعف التدريب على آداب المهنة القضائية ومهارات التعامل الإنساني.
تتجلى النتائج السلبية لهذا النهج في أبعاد متعددة ومؤثرة: فقدان تدريجي للثقة في النظام القضائي من قبل المواطنين، وخوف مبرر من اللجوء إلى المحاكم حتى في الحالات التي يكون فيها الحق واضحاً وجلياً، وضعف ملحوظ في أداء المحامين نتيجة خوفهم من ردود أفعال القضاة غير المبررة، وانتشار ثقافة الخوف والترهيب في البيئة القضائية عموماً.
دروس من النموذج الأمريكي:
قصة القاضي كابريو تحمل دروساً ثمينة للغاية. أهمها أن العدالة الحقيقية لا تستلزم بالضرورة القسوة أو الغلظة، وأن بإمكان أي قاضٍ أن يكون حازماً وعادلاً ومنصفاً دون أن يكون قاسياً أو مهيناً أو متعالياً. فالكرامة الإنسانية حق مقدس لكل شخص بغض النظر عن وضعه الاجتماعي أو طبيعة القضية المعروضة، والاستماع الجيد والصبور يشكل الأساس الراسخ لأي عدالة حقيقية، والهدف النهائي من العملية القضائية يجب أن يكون الإصلاح والتقويم وليس مجرد العقاب والانتقام.
الطريق نحو الإصلاح
نحتاج في السودان إلى ثورة حقيقية وجذرية في مفهوم العدالة وتطبيقها. هذا التغيير يجب أن يبدأ بتدريب شامل ومستمر للقضاة على مهارات التواصل الإنساني والتعامل المحترم مع المتقاضين، ووضع مدونة أخلاقيات واضحة ومفصلة للسلوك القضائي تكون ملزمة وقابلة للتطبيق، وإنشاء نظام تقييم شامل ومتوازن يأخذ في الاعتبار الجانب الإنساني إلى جانب الكفاءة القانونية، ووضع آليات محاسبة فعّالة وعادلة للقضاة الذين يسيئون التعامل مع المتقاضين أو ينتهكون كرامتهم.
القضاة السودانيون الذين يتبعون النهج الإنساني في التعامل مع المتقاضين – وهم موجودون فعلاً رغم قلة عددهم نسبياً – يجب أن يكونوا القدوة والمثال للآخرين. هؤلاء القضاة المتميزون أثبتوا عملياً أن العدالة الرحيمة ليست مجرد مثال نظري، بل واقع ممكن التطبيق في بيئتنا القضائية. تجاربهم الناجحة تؤكد أن المتقاضين يمكن أن يخرجوا من محاكمهم وهم يشعرون بأن العدالة قد تحققت فعلاً، حتى لو لم يكن الحكم النهائي في صالحهم الشخصي.
نحو عدالة أكثر إنسانية
المطلوب الآن هو تعميم هذا النهج الإنساني المتوازن وجعله القاعدة الأساسية وليس مجرد الاستثناء النادر. هذا التحول الجذري يتطلب جهداً مؤسسياً منسقاً من الجهاز القضائي نفسه، وضغطاً مجتمعياً إيجابياً من المحامين والمثقفين والمهتمين بالشأن العام، ووعياً عاماً متنامياً بأهمية العدالة الإنسانية ودورها في بناء مجتمع عادل ومتحضر.
رحيل القاضي فرانك كابريو يضعنا أمام سؤال مصيري مهم: أي نوع من العدالة نريد حقاً في بلدنا السودان؟ هل نريد عدالة تقوم على أسس الخوف والرهبة والترهيب، أم عدالة متوازنة تجمع بجناحيها القوة والرحمة، والحزم والإنسانية؟
إرث خالد
لقد أثبت كابريو عبر مسيرته الطويلة أن الهيبة الحقيقية للقاضي تنبع من عدالته الحقة وإنسانيته الصادقة وحكمته المتوازنة، وليس من غلظته أو تجهمه أو قسوته على الناس. في آخر رسائله للعالم قبل رحيله، قال بتواضع العظماء: “أتوسل إلى الجميع أن يكونوا رحماء ومتفهمين لزملائهم من البشر”
هذه الرسالة الإنسانية العميقة تناسب قضاتنا في السودان أكثر من أي مكان آخر في العالم. فالعدالة الحقيقية والمستدامة تتطلب توازناً دقيقاً ومحسوباً بين الحزم والرحمة، وبين تطبيق نصوص القانون واحترام كرامة الإنسان، وبين الهيبة المطلوبة والتواضع المحمود.
ليكن رحيل هذا القاضي العظيم فرصة ذهبية لنا جميعاً لإعادة النظر الجدية في مفهوم العدالة، والعمل الجاد على بناء نظام قضائي يحترم كرامة الإنسان ويحقق العدالة بوجه إنساني مشرق. هذا ليس مجرد حلم مثالي بعيد المنال، بل ضرورة حتمية وعاجلة لبناء وطن عادل ومتحضر نفخر به جميعاً.
رحم الله القاضي فرانك كابريو، وجعل قصته مصدر إلهام دائم لقضاة العالم أجمع، وخاصة في بلادنا الحبيبة السودان.



