طارق عبد الكريم عثمان
في أي دولة تحترم مواطنيها، تكون أولويات ما بعد الحرب واضحة: كشف المخاطر، حماية الأرواح، وتهيئة الأرض لعودة الحياة. لكن في السودان، وتحديدًا تحت سلطة بورتسودان، المشهد مختلف تمامًا.
هذه السلطة ليست حكومة وفاق وطني، ولا ثمرة إرادة شعبية، بل سلطة أمر واقع وحكومة حرب، تفرض نفسها بقوة السلاح وتستمد شرعيتها من استمرار النزاع، لا من صندوق اقتراع أو توافق جماهيري. ولأنها تدرك محدودية قبولها، فإن قراراتها ومواقفها تراعي مصالح قلة من المستفيدين والمتحلقين حولها، لا المصلحة العامة.
ملف الكيماوي ومخلفات الحرب مثال صارخ على ذلك. فمن المفترض أن تبادر أي حكومة مسؤولة إلى إجراء فحوصات عاجلة للتربة والمياه، بالتعاون مع المنظمات الدولية، لطمأنة المواطنين العائدين من النزوح واللجوء. لكن ما نراه هو صمت مطبق، وتجاهل كامل، وكأن صحة الناس وحياتهم ليست في الحسبان.
توقف الإعمار، ورفض إعادة الوزارات والمصالح الحكومية إلى الخرطوم، والترويج لعاصمة إدارية جديدة، كلها مؤشرات على أن هناك ما يُراد التستر عليه، أو استغلاله سياسيًا لتغيير ملامح الدولة ومركز السلطة.
الخطر الكيماوي ليس إشاعة، بل واقع يمكن قياسه وإثباته علميًا، وإذا كانت هذه السلطة ترفض كشف الحقائق، فهي بذلك تتحمل كامل المسؤولية عن أي كارثة صحية أو بيئية تحدث. والأسوأ أن صمتها هذا ليس مجرد إهمال، بل جزء من إدارة الحرب التي ترى في الخراب فرصة، وفي الأزمات بيئة مناسبة للبقاء في الحكم.
إن الصمت على التلوث هو صمت على الجريمة، والتغاضي عن الكارثة هو مشاركة فيها. وما لم يتحرك المجتمع، ويطالب بكشف الحقائق، سيظل هذا الملف رهينة لحكومة لا ترى في المواطنين سوى أرقام على ورق، أو أوراق تفاوض في لعبة السلطة.



