كتب: معاوية أبوالريش
على أرضية ملعب أمان بجزيرة زنجبار التنزانية، شهدت كرة القدم السودانية لحظة تاريخية لن تُمحى من الذاكرة، حيث كتب المنتخب الوطني ملحمة حقيقية بتأهله إلى الدور نصف النهائي من بطولة كأس أمم أفريقيا للاعبين المحليين “الشان”صقور الجديان انتصروا على نظيرهم الجزائري بركلات الترجيح 4-2، في مواجهة مثيرة انتهت بالتعادل الإيجابي 1-1 في الوقتين الأصلي والإضافي
بداية مثالية وهدف مثير للجدل:
افتتح صقور الجديان الشوط الثاني بشكل مثالي ، عندما سجل صقور الجديان هدف التقدم بطريقة غير متوقعة، حيث أودع المدافع الجزائري غزالة الكرة في مرماه خطأً، ليمنح المنتخب السوداني انطلاقة مبكرة في هذا الصراع المرتقب.
لكن الشوط الثاني حمل في طياته جدلاً كبيراً عندما نجح سفيان بايزيد في إدراك التعادل للجزائر، مستغلاً هفوة من الحارس السوداني الشاب محمد النور أبوجا. إلا أن الهدف أثار عاصفة من الانتقادات والتساؤلات حول مشروعيته، إذ لامست الكرة بوضوح يد المهاجم الجزائري بايزيد قبل أن تستقر في الشباك.
الأمر الأكثر استفزازاً هو صمت الحكم المطبق وعدم عودته لتقنية الفيديو المساعد “VAR” رغم وضوح المخالفة، فيما لم يتدخل حكام الفيديو لتنبيه قاضي اللقاء أو استدعائه لمراجعة الحادثة المثيرة للجدل، مما أججّ غضب الجهاز الفني السوداني والجماهير على حد سواء.
الوقت الإضافي والبطولة في الترجيح
رغم المحاولات المتبادلة من كلا الفريقين، ظل التعادل الإيجابي سيد الموقف حتى نهاية الوقت الأصلي، ليدخل الفريقان في غمار شوطين إضافيين مليئين بالإثارة والندية. لكن حتى الثلاثين دقيقة الإضافية لم تشهد تغييراً في النتيجة، مما استدعى اللجوء إلى ضربات الترجيح الحاسمة.
وهنا أظهر أبطال السودان معدناً حقيقياً وأعصاباً من حديد، حيث تفوقوا على منافسيهم الجزائريين بنتيجة 4-2 في الترجيح، ليحققوا إنجازاً تاريخياً بالعبور إلى الدور نصف النهائي وسط انفعالات جماهيرية عارمة.
النهضة التكتيكية تحت راية أبياه:
يُعزى هذا النجاح الباهر إلى التطوير الجذري الذي شهده أداء المنتخب السوداني تحت القيادة الحكيمة للمدرب الغاني المخضرم كواسي أبياه. لقد نجح الساحر الغاني في نقل الفريق نقلة نوعية على المستوى التكتيكي، وإكسابه شخصية قوية ومميزة جعلته ينافس أعتى المنتخبات الأفريقية.
أصبح للمنتخب السوداني هوية واضحة وفلسفة لعب محددة، مما انعكس إيجابياً على ثقة اللاعبين وانسجامهم الجماعي، وهو ما تجلى بوضوح في هذه المعركة الشرسة أمام الجزائر التي تُعتبر من القوى التقليدية في القارة السمراء.
بسمة الأمل وسط عتمة الحرب:
لا يمكن النظر إلى هذا الانتصار الكروي بمعزل عن الواقع المأساوي الذي يعيشه الوطن السوداني. فمنذ اندلاع الحرب العبثية المدمرة في إبريل 2023، والبلاد تشهد أوقاتاً عصيبة طحنت أرواح الأبرياء وهجّرت الملايين من ديارهم.
في خضم هذه المحنة القاسية، جاء انتصار صقور الجديان كشعاع ضوء يخترق ظلام اليأس، ليرسم البسمة على وجوه ملايين السودانيين في الداخل والشتات. لم يكن هذا التأهل مجرد إنجاز رياضي عابر، بل كان رسالة صمود وأمل من أبناء النيل الذين أثبتوا للعالم أن روح الشعب السوداني لا تُقهر مهما اشتدت العواصف.
هذا النجاح وحّد قلوب السودانيين حول العالم وأعاد إليهم جرعة من الفخر والاعتزاز بانتمائهم لهذا الوطن العريق، الذي يأبى أبناؤه إلا أن يحلقوا عالياً رغم كل التحديات.
مخاوف تحوم حول ملعب النهائي:
وفي سياق التحضيرات للأدوار النهائية، تثير الأوضاع التقنية لملعب موي بضاحية كساراني في العاصمة الكينية نيروبي قلقاً متزايداً بين المتابعين. الملعب المقرر أن يحتضن المباراة النهائية يوم 30 أغسطس المقبل يعاني من مشاكل جوهرية، حيث تبدو أرضيته في حالة سيئة للغاية، بالإضافة إلى ضعف شديد في منظومة الإضاءة.
هذه النواقص الفنية ظهرت بشكل مُخجل في مباراة المنتخب الكيني أمام مدغشقر، مما يطرح تساؤلات مشروعة حول حكمة قرار الاتحاد الأفريقي لكرة القدم “الكاف” بإسناد تنظيم النهائي لهذا الملعب المتهالك.
الأمر الذي يزيد الطين بلة أن ملعب نيلسون مانديلا الوطني في العاصمة الأوغندية كمبالا يتمتع بمواصفات فنية أرقى بكثير، ويمكنه استضافة حدث قاري بهذه الأهمية دون أي مشاكل تذكر، مما يجعل القرار محل انتقاد واسع.
نحو حلم اللقب القاري:
بهذا الإنجاز التاريخي، تقترب صقور الجديان أكثر من حلم إحراز كأس أمم أفريقيا للمحليين للمرة الأولى في تاريخها. المشوار ما زال شاقاً والتحديات جسيمة، لكن الثقة تسري في عروق المنتخب والعزيمة تتأجج في قلوب اللاعبين، الذين باتوا على بُعد خطوتين فقط من كتابة فصل ذهبي في تاريخ الكرة السودانية.
إن هذا الانتصار الملحمي يؤكد مرة أخرى أن كرة القدم تبقى اللغة الوحيدة القادرة على توحيد الشعوب وإشعال جذوة الأمل في نفوسهم، مهما تكالبت عليهم المحن وتضاعفت أمامهم العقبات. فالكرة المستديرة لا تعرف الحدود ولا تفرق بين الألوان، وهي القادرة وحدها على رسم الابتسامة على وجوه الملايين في لحظات واحدة.



