امتد بي العمر لأشهد عديد حروب في السودان منذ بداياتها. رأيت حرب الجنوب الثانية وتابعت حربه الأهلية الاخيرة وهي تتشكل كغيمة سوداء، عاصرت بدايات حرب دارفور حين كانت إرهاصاتها مجرد همس في الأطراف، وشهدت اندلاع القتال في جنوب كردفان والنيل الأزرق بعد انفصال الجنوب مباشرة. لم أتوقف عند حدود السودان وحده؛ غطيت حرب اليمن منذ أن أقلعت طائراتها الأولى، ولاحقت الحرب الليبية ضد التنظيمات الإرهابية حتى لحظة تحرير سرت، شارعًا شارعًا وزنقةً زنقة. تابعت الحرب السورية من بعيد، وتوغلت في تفاصيل صعود وسقوط تنظيم داعش في العراق، حيث أجريت مقابلات مع شخصيات عراقية عديدة وسط غبار الموصل وهي تُستعاد من أنياب الموت.
كل تلك التجارب، بكل دمائها ورعبها ومآسيها، لم أشهد حالة واحدة من التواطؤ مع استمرار الحرب إلى ما لا نهاية. لم أجد في أي حرب سابقة من يحتفي بالموت كما يحدث اليوم في بلادي المنكوبة. لم أرَ من يكتب مقالاً أو ينشر “بوستاً” على وسائل التواصل الاجتماعي وهو يصفق للدمار ويبارك القتل ويهلل لأن القائد العام قال: “لا سلام مع المتمردين، والحرب مستمرة”. أي عقول هذه التي استمرأت الدم؟ أي أرواح هذه التي وجدت في الخراب نشوة لا تشبع؟
اليوم، في قلب الفاشر، أسرة كاملة تموت جوعًا في صمت لا يسمعه أحد. في أبو حراز، تخرج الفئران في جماعات، تموت على أبواب البيوت وكأنها رسل شؤم لبلاد انهارت منظومتها الصحية. في الخرطوم، أوبئة غامضة تفتك بالناس بلا تفسير ولا علاج، فيما لا يزال هناك من يرفع صوته مطالبًا بالمزيد من القتال، وكأن الدماء وقود لخطاب فارغ يتغذى على الحقد.
هذه ليست حربًا كباقي الحروب التي عرفناها. ليست معركة سياسية عابرة ولا مواجهة على السلطة فحسب، بل حربٌ تغلغلت في وجدان فئة مريضة حتى تحولت إلى إدمان. هناك من لم يعد يرى في الحياة معنى دون شعار “استمرار الحرب”. هناك من يتلذذ بالموت كما يتلذذ الغول في الخرافة بدماء الأطفال.
إن أخطر ما يهدد السودان اليوم ليس فقط صراع الجيش والدعم السريع، بل تلك العقول التي اعتادت الدم حتى صارت تراه خيارًا طبيعيًا. أخطر ما يفتك بالبلاد ليس الرصاص ولا الطائرات المسيّرة، بل ذاك الانهيار الأخلاقي الذي جعل من الدعوة للموت شرفًا، ومن التباهي بخراب الوطن بطولة.
كل الحروب التي عرفناها كانت تحمل في داخلها توقًا إلى النهاية، حتى وإن طال أمدها. إلا أن هذه الحرب اللعينة كسرت تلك القاعدة، وجعلت من فكرة “النهاية” نفسها خيانة في نظر بعض العقول الممسوسة.
لكن الحقيقة التي يتعامى عنها هؤلاء هي أن الحروب التي لا تنتهي لا تصنع نصرًا، بل تصنع بلدًا بلا مستقبل. حروبٌ كهذه لا تُنتج إلا أجيالًا بلا مدارس، وأرضًا بلا مزارع، ومدنًا خاوية إلا من القبور. وما لم ندرك أن الاستمرار فيها هو انتحار جماعي، فإن السودان لن يخرج منها إلا كخرابة لا يسكنها سوى الذكريات المرة والفئران والأوبئة.
#حرب_الندامة
#اللهم_لا_ترفع_للكيزان_راية_ولا_تحقق_لهم_غاية_واجعلهم_للعالمين_عبرة_وآية



