الأعمدة

حيدر إبراهيم… حامل الفانوس في ليل الضباع (1 ـ 4) * في البدء كانت الكلمة… وكان التمرّد

نزار السمندل
“الناس أبناء طفولتهم”، يقول جبران. وفي حالة الدكتور حيدر إبراهيم علي، لا يمكن فصل الفكرة عن المهد، ولا الحلم عن الإشلاق.
في مساكن البوليس، حيث نشأ، كان الطفل يتعلّم أن الحياة ليست في تمام العدل، لكنها قابلة للتغيير. هناك، في ذلك الحيّ المنضبط والخاضع للسلطة، تعلّم حيدر التمرّد، لا من الكتب، بل من الحياة نفسها. قال يوماً: «لم أتعلم الاشتراكية من الكتب، بل عشتها أولاً».
في ما بعد، بحث عن الاشتراكية نظرياً، فوجدها تسكنه.
سيرته، كما كتبها في «أزمنة الريح والقلق والحرية»، لا تُقرأ كوقائع، بقدر ماتُستشفّ كقصيدة محتشدة بيقين الحرية وجذرها الثابت. قصيدة يشدّها خيطان بليغان متماسكان: السؤال، والوفاء.
سؤالٌ لا يهدأ، ووفاءٌ للذين ربّوه بالفكر والحبّ: الجدّ، وسلامة موسى.
في المدرسة، انفتحت أمامه الحروف كأبواب سحرية. الحرف، لا الطين، هو الذي شكّل ملامح هذا الطفل الشغوف بالمعنى، المفتون بصوت الورق وهو يُقلب.
أدرك أن المعرفة لا تسكن المدرسة، بل تتجاوزها إلى ما هو أعمق: التثقيف الذاتي. ذاك المشروع الذي سيحوّل فضول الصبي إلى التزام وجودي.
وبينما كان أقرانه يشدّهم صوت الراديو، كانت عيناه تلتهمان “تربية سلامة موسى” و”هؤلاء علموني”، هناك، وُلد المعلّم الأوّل، الروحيّ، كما أسماه: سلامة موسى.
آنذاك، تفتّح وعي حيدر على مفاهيم كبرى: الاشتراكية، الحرية، حقوق المرأة، نظرية التطور.
لم تكن تلك عناوين فكرية سابحة في خيال، بل مفاتيح لتشكيل عالمه الأخلاقي، زتكوين حساسيته كيساري حالم في بلد ينزلق ببطء إلى استبدادٍ طائفيّ.
في زمنٍ كان “الإخوان المسلمون” يشكّلون البديل الأكثر تنظيماً وانتشاراً، اختار هو درب الشوك، وانتمى إلى الجبهة الديمقراطية، ليغرس قدميه في تراب اليسار مبكراً.
لكن التكوين لم يكن أحاديّ الوجه.
فالماركسية الألمانية جاءت تسير جنباً إلى جنب مع الاشتراكية البريطانية، وتُضاف إليها الفلسفة الوجودية التي هبّت من باريس عبر بيروت.
جان بول سارتر، بصوته الحاد في ترجمات سهيل إدريس، يهمس في أذنه بأن الإنسان مشروع مفتوح، وأن حريته ليست منحة بل مسؤولية، وأن الغربة عن الذات هي الخطيئة الكبرى.
عليه، اكتشف حيدر أن الماركسية لا تكتمل إلا بالقلق، وأن الوجودية لا تعني النرجسية بل التزاماً بألم العالم.
من تلك اللحظة، بدأ يتشكّل: مفكّر مشدود إلى خلاص جماعي، لا فردي؛ مثقّف يبحث عن الحرية لا في السماء، بل في الأرض؛ ومتمرّد يرى أن الإنسان ليس قدراً، بل إمكانية.
ومع كل هذا، كان للجدّ حضوره، لا كمجرد ذكريات طيّبة، بل كجذر روحي ومعنوي.
في قرية القرير، كان الجد أحمد بابكر يشبه زهداً مكللاً بالفكر. لم يكن شيخاً تقليدياً، بل رجلاً يقرأ “الرسالة” في القرية النائية، ويملك كتب السيرة، ويرفض التماهي مع الطائفة الغالبة.

عندما مرّ موكب الختمية أمام بيتهم، توقّف المنشدون مهدّدين: “يا منكرين فويلكم”.
ولم يرتعد الجدّ.
هناك، في تلك الوقفة الصغيرة، كان الدرس الأكبر لحفيدٍ سيتعلّم أن اختلافك هو قوتك، وأن مفارقة القطيع ليست خطيئة، بل خلاص.
من هذا الجدّ، استقى حيدر قانون التمرّد النبيل، ووهج التديّن غير الخائف، والقدرة على الوقوف في وجه الفكر الجمعي.
لم يكن غريباً أن يهدي هذا الجدّ المُعلّم رسالته للدكتوراه. الجدّ الذي رفض الانصياع هو نفسه الذي أنجب حفيداً سيقضي حياته باحثاً عن طريق ثالث: عن مكانٍ للحرية وسط الأنقاض.
ثم جاءت الرحلة الكبرى: فرانكفورت.

زر الذهاب إلى الأعلى