بقلم: [عصام الجاكومي]
في خطوة فاجأت الرأي العام وأثارت موجة من التساؤلات والاستياء، شرعت السلطات في مدينة شندي خلال الأيام الماضية في ترحيل وإبعاد أعداد كبيرة من المواطنين الجنوبيين، المقيمين منذ سنوات في المدينة، دون تقديم مبررات واضحة أو خطة بديلة تضمن حقوقهم وكرامتهم.
التوقيت: أسوأ ما يمكن
ما يزيد من فداحة القرار، أنه جاء في ذروة موسم الخريف، حيث الأمطار الغزيرة تعزل المناطق، وتُغرق الطرقات، وتُهدد حياة المشرّدين، ناهيك عن غياب البنية التحتية القادرة على استقبال أي موجات نزوح أو إعادة توطين في ظل الظروف الاقتصادية المنهارة. فكيف يمكن أن يُرحّل إنسان في هذا التوقيت الكارثي، دون مأوى، ولا طريق، ولا أمان؟
غياب البعد الإنساني والاجتماعي
ليست هذه هي المرة الأولى التي تتعامل فيها حكومة السودان مع ملفات حساسة بروح من التجاهل وقصر النظر. ترحيل الجنوبيين من شندي، دون مراجعة للبعد الإنساني والاجتماعي، يكشف عن أزمة عميقة في إدارة التنوع والتعدد في البلاد.
هؤلاء ليسوا “غرباء” أو “طوارئ”. هم جزء من النسيج المجتمعي منذ سنوات، عملوا في الأسواق، وشاركوا في الزراعة، وربما تربت أجيال منهم في شندي، وارتبطوا ببيئتها ثقافيًا واجتماعيًا. فهل يُكافأ هؤلاء بالتهجير، والشتات، والإذلال، فقط لأن بعض الجهات ترى فيهم “عبئًا” أو “خطرًا مؤجلًا”؟
البُعد الأمني: هل نغذي العنف بأيدينا؟
القرار، بهذه الطريقة الفجة، لا يعالج المخاوف الأمنية بل يعمّقها. فحين يُرحّل الإنسان وهو يشعر بالظلم، والقهر، والرفض، فإن هذا يولّد غضبًا مكتومًا قد ينفجر في أي لحظة.
لا أحد يريد الاعتراف بذلك صراحة، لكن الواقع يفرض علينا أن نقول: هذا النوع من السياسات قد يدفع بعض المرحّلين نحو أحضان الجماعات المسلحة، سواء عن قناعة أو انتقام أو بحثًا عن الحماية والكرامة المهدورة. هل ننتظر أن يُستوعب هؤلاء لاحقًا في صفوف المليشيات الخارجة عن القانون لنبدأ البكاء والندم؟
الاقتصاد المحلي في مهب الريح
كذلك، لا يُنظر إلى التبعات الاقتصادية لهذا القرار. الجنوبيون في شندي ليسوا فقط سكانًا؛ بل هم قوة عاملة نشطة، يشتغلون في مهن يدوية، وفي الزراعة، وفي قطاع الخدمات. إبعادهم لن يملأ الفراغ، بل سيُحدث اختلالًا في دورة الاقتصاد المحلي، ويضيف ضغطًا على الأسواق، ويرفع نسب البطالة، ويعمّق الاحتقان الطبقي.
البدائل الغائبة: قرارات بلا رؤية
إذا كان ثمة مبررات أمنية – وهي دائمًا ما تُستخدم كمبرر جاهز – فأين هي الخطة البديلة؟ أين هي مراكز الإيواء؟ أين ملفات الحصر؟ أين التنسيق مع مفوضية اللاجئين أو منظمات المجتمع المدني؟ بل، أين هو القانون في كل هذا؟ متى أصبحت الإقامة في مدينة سودانية “جريمة” تستوجب العقوبة الجماعية؟
الاعتراف بالحقيقة: أزمة إدارة لا أزمة سكان
الحقيقة المُرّة التي يجب أن نُقر بها اليوم قبل الغد، أن السودان لا يُعاني من “تكدس الغرباء”، بل من أزمة عميقة في إدارة التنوع، وإدارة المدن، وإدارة الأزمات. إن مثل هذه السياسات لن تفضي إلى الاستقرار، بل ستقودنا إلى مزيد من الانقسام والتدهور والانفجار.
شندي، التي كانت دومًا مدينة للتسامح والتعايش، لا يجب أن تُستغل في هذه المرحلة كأداة لترسيخ سياسات الإقصاء، فمثل هذه الخطوات لا تُحسب في رصيد أي حكومة، بل تُعد لطخة في الضمير الوطني.
خاتمة: هل من مراجعة؟
لا يزال هناك وقتٌ لمراجعة القرار، والتراجع عنه، أو على الأقل تصحيحه بطريقة تحفظ الكرامة وتضمن الأمن وتمنع الانزلاق نحو دائرة العنف. فما يحدث اليوم قد يكون شرارة لما لا تُحمد عقباه، وما نزرعه من ظلم، سنحصده لاحقًا بأثمان باهظة.
آن الأوان أن نتعامل مع مثل هذه الملفات بعقلٍ مفتوح، وضمير حي، وبُعد نظر… فالوطن ليس فئة، ولا لون، ولا إقليم، بل عقد اجتماعي بين الجميع.



